الرئيسية > تحقيقات > مريم فيصل البحر: لم أنسَ والـدي قط وكثيراً ما أتحدث إليه

مريم فيصل البحر: لم أنسَ والـدي قط وكثيراً ما أتحدث إليه

محامية بالتمييز والدستورية، ناشطة، عضو بمركز حقوق الانسان في جمعية المحامين، رئيسة لجنة العلاقات الدولية ورئيسة لجنة الايتام والشؤون، إنها مريم فيصل البحر..

جميع هذه الألقاب تتنحى أمام لقب بنت الشهيد فيصل البحر، الذي يعني بالنسبة لها القوة والصلابة والتحدي والاصرار والشجاعة والمواجهة ..

لم تعش معه فترة طويلة ولكن بفقدانه تعلمت الكثير وتغيرت حياتها كثيرا، لم ترث منه جيناته ودماءه فقط بل ورثت منه حبه وعشقه لتراب أرض كويت.

«أسرتي»التقت المحامية مريم فيصل البحر للتعرف معها على جوانب كثيرة في حياتها في فترة غزو الكويت واستشهاد والدها .. إليكم التفاصيل:

 

 

ماذا تحمل ذاكرتك عن الغزو؟

كنت أبلغ من العمر 9 سنوات أثناء الغزو، وكنا أسرة مكونة من خمسة أبناء ووالدي ووالدتي، والدي الشهيد فيصل البحر كان يعمل راصدا جويا في مطار الكويت وكان هوايته الحداق ويحب التواجد في البحر وعادة يعود الى المنزل فجراً،

وفي هذا اليوم عاد الى المنزل وهو في حالة غريبة وقام بإيقاظ والدتي من النوم وهو يصرخ «أخذي اليهال وروحي بيت والدتك».

ووالدتي كان منزعجة ومفزوعة وهي تسمع صوت الطائرات تحلق فوق بيتنا، ونسمع صوت قذائف ولم نكن معتادين على ذلك لأننا كنا مجتمعا يشعر بانه في أمان ولم نكن نتوقع الغدر.

وتابعت:

وبمجرد ان قال والدي لوالدتي صدام دخل الكويت نحن في حالة غزو انتابتها حالة من الرعب والفزع علينا حيث ان شقيقتي الكبيرة آنذاك كانت تبلغ من العمر 14 عاما وشقيقي  13 عاما وأنا 9 سنوات ولي شقيقة تبلغ من العمر 5 سنوات والصغيرة عمرها عامان، ووالدي سوف يتوجه الى المقاومة، وبالفعل اصطحبتنا والدتي الى منزل جدتي والدة أمي، وتوجه والدي الى بيت والده بحر البحر في العديلية.

 

في اليوم الثاني للغزو بالتحديد نجا والدي من الموت المحقق

 

أذكر أصوات التكبير والتهليل في الفجر التي كانت تصدح بها المنازل الكويتية

كيف كانت المشاهد الأولى للغزو كما تذكرين؟

كانت مشاهد دموية مفزعة، فمنذ اليوم الاول للغزو كانت منطقة كيفان، مسرحا للقتال والمعارك وكانت الجثث تملأ الشوارع، في اليوم الثاني للغزو بالتحديد نجا والدي من الموت المحقق حيث  أصيب برصاص قوات الغزو،

وسقط والدي وسقط فوقه شهيد كويتي آخر، وكان قد مر بجانبه الجنود العراقيون وهم يرفسونه ظننا منهم انه قد مات، دون ان يشعروا بانه مازال حيا.

بدأت فرق المقاومة تتكون بشكل كبير وكان والدي مع المقاومة في منطقة العديلية ومنطقة كيفان مشاركا في اي نوع من التضحية من اجل الكويت

واذكر ان والدي كان عندما يأخذنا من بيت جدتي ام والدتي الى بيت جدتي والدته، نمر على نقاط تفتيش تسمى آنذاك «السيطرة العراقية»،

وكنا نكتشف ان الوالد يخبئ تحت مقاعد السيارة التي نجلس عليها أسلحة للمقاومة، وكانت شقيقتي الكبرى تشارك في طباعة المنشورات وكان اخي يخرج مع والدي احيانا للمشاركة في بعض العمليات حتى انه في مرة كاد يصاب لولا حماية الله له حيث جاءت الرصاصة في مقعد السيارة.

اذكر جيدا أصوات التكبير والتهليل في الفجر التي كانت تصدح بها المنازل الكويتية معلنة المقاومة، اذكر ايضا عندما طلب من الكويتيين تسليم بطاقاتهم وهوياتهم الكويتية لاستبدالها رفض الجميع الانصياع لقوات الغزو،

بل قام الشباب الكويتيون بعمل جميع الخدمات في الديرة، في المخابز والجمعيات وتنظيف الشوارع.

اذكر اننا قبل التحرير تجمعنا 13 عائلة في بيت الوزان رأيت في وقت المحنة كل الكويت عائلة واحدة بمعنى الكلمة، في الغزو لم يكن هناك فرق بين سنة وشيعة وبين بدو وحضر.

 

هل راودت الوالد- رحمه الله-  فكرة أن يخرجكم خارج الكويت في فترة الغزو؟

بالفعل طُرحت الفكرة بعد ان خرج بعض أهلنا، ولكن والدتي رفضت ذلك رفضا تاما لأن والدي كان من المستحيل ان يغادر الكويت وهي لم تكن تريد ان تتركه، حتى بعد استشهاد والدي نصحها البعض بان تأخذنا وتترك الكويت،

قالت «الديرة التي استشهد فيها فيصل لن نتركها حتى لو كان الثمن حياتنا». وكانت تفضل ان نظل في الكويت صامدين فيها.

 

ماذا عن ذكرياتك مع الوالد؟

من الأمور التي اذكرها جيدا ان والدي كان قويا وشديدا، وكلمته مسموعة ولا يستطيع احد ان يخالفها، فكنت عادة اذا تواجدت معه وهو مجتمع مع رفاقه في المقاومة كان يدخلني بسرعة و«يزفني» وفي آخر يوم كان لي معه كان والدي يجلس امام المنزل على «الدكة» مجتمعا مع بعض رفاقه وجيراننا وخرجت لأجلس معه فأجلسني في حضنه وعلى حجره، وأكمل حديثه. واذكر انني كنت اراهم يحركون الحجارة أمامهم وكأنهم يخططون للعملية وبعد فترة قال لي ادخلي الى الداخل.

 

والدي كان يعشق الكويت لتاريخها وأحداثها ورجالها

 

بطل المقاومة الكويتية الشهيد فيصل البحر  ترك سلسلة من البطولات تخلدها صفحات الكويت للأجيال القادمة وتعلمهـم الوحدة الوطنية، فهل لنا ان نتعرف على أعماله البطولية؟

والدي كان يعشق الكويت لتاريخها وأحداثها ورجالها، كان لديه مبدأ «تهون الروح فداء للكويت ويهون كل شيء من اجل كرامة الوطن وحريته واستقلاله»، كان رحمة الله عليه يضع مع رفاقه في المقاومة خطط عمليات تفجير نقاط التفتيش، وأماكن تواجد الجنود والشاحنات التي تحمل السلاح والذخيرة،

بناء على المعلومات التي يجمعونها ويقومون بتنفيذ هذه الخطط بأنفسهم، كما انه كان يعمل على إيصال الاسلحة لأفراد المقاومة في مناطق الكويت، ويعمل على توزيع المنشورات التي كانت تجمع الروح الكويتية على قلب رجل واحد.

 

هذه هي قصة وداع والدتي لوالدي

 

ماذا عن قصة وداع والدتك للوالد الشهيد فيصل البحر؟

في هذه اليوم طلب والدي ان نأتي له الى بيت جدي البحر، وذهبت انا مع والدتي وشقيقي وبقي اخوتي مع باقي افراد العائلة، وكانت والدتي وجدتي يشعران بأنه سيحدث شيء ما،

وجدتي ولأول مرة تتعصب على والدي وترفض أن يخرج في هذا اليوم بالتحديد وكنا جميعا نعلم انه ذاهب لإحدى عمليات المقاومة.

واذكر اننا قمنا بوداع والدي لكي نغادر المنزل، ولكن الغريب في الامر ان والدتي كلما ودعت والدي بحرارة وتهم ان تغادر بنا المنزل، تعود لتضم والدي وتقبله وكأنها تعلم انها لن تقابله مرة اخرى وتكرر هذا الامر ثلاث مرات،

وعندما استرجع هذه المشهد في ذاكرتي لا أستغرب وداع والدتي لوالدي بهذه الطريقة لأنها تزوجته بعد قصة حب وهي مازالت الى الآن تعشق الوالد وسيرته، رحمة الله عليه، ولكن إتعجب لتكرارها للسلام عليه وكأنها كانت تعلم انه الوداع الأخير.

 

في ثانوية عبدالله السالم كُتب لوالدي الاستشهاد

 

تاريخ 26 من اغسطس ١٩٩٠ له ذكرى لديك فهل لنا ان نتحدث عن يوم استشهاد الشهيد الوالد فيصل البحر؟

لم نكن نعلم أن والدي قد استشهد وحدثت مناقشة بيني وبين خالي في المنزل، والتفت إليه قائلة «اليوم والدي توفي»، في الحقيقة لم أعرف لماذا قلت هذه الجملة وما الذي اجراها على لساني، ربما كانت تأهيلا من الله سبحانه لي لتقبل خبر استشهاد والدي.

وتابعت: عندما وصل لنا خبر استشهاد والدي، سمعت صراخا في المنزل وأمي منهارة، وشقيقتي الكبيرة تبكي، واحدى اخوات والدتي تقول «قولوا لها» تقصدني انا بهذا الكلام،

وهنا علمت ان والدي حدث له ما كنت أتوقعه ولم اكن اريد ان اصدق انه يمكن أن يحدث، وأخذتني خالتي وتحدثت معي ان والدي شهيد في الجنة بإذن الله، علمت والدتي وقتها انه عذب لكي تؤخذ منه الاعترافات ولكن ابى لسانه الشريف أبى ان يعترف فقد عذب حرقا بالسجائر وباستخدام الكهرباء وحرقت اجزاء من جسده وتم قلع أظافر يديه العشر بالكامل

وتقطيع أنحاء من جسده وتم خلع عينه اليسرى ولكنه لم ينطق بحرف وبعد ذلك تم اعدامه في ثانوية عبدالله السالم حيث كانت مقرا لاعتقال المقاومة وتعذيبهم، وتم القاؤه في الشارع بتاريخ 26-8-1990 مخلفا وراءه 5 أبناء، 4 بنات وولد، وأتشرف بأني واحدة منهن وشقيقي هو بحر البحر.

 

كيف رأيت صورة الوالد بعد استشهاده؟

لم أر جثته في وقت استشهاده، ومرت بضع سنوات وتأتي لي معلمة في المدرسة وتخبرني بأن هناك كتابا بعنوان «الاحتلال في كيفان» يتحدث عن قصة والدي الشهيد وقد كنت متشوقة ان اقرأ هذا الكتاب،

فقلت لأمي أن تأخذني للمكتبة ولكنها رفضت على غير عادتها فعلمت انها لا تريدني ان أرى الكتاب, وعاتبت والدتي المعلمة على اخباري بان هناك كتابا يتحدث عن والدي لأنها لا تريدني ان ارى صورته وهو معذب وقد تم التمثيل بجثته.

وبالمصادفة وأنا ابحث عن شيء في دولاب والدتي وجدت الكتاب ورأيت الصورة ووجدتني والدتي وقد سقطت من شدة الإعياء من آلام معدتي وبكائي.

 

ماذا عن تجسيد شقيقك بحر البحر لشخصية صقر  في مسلسل ساهر الليل؟

جسد شقيقي بحر البحر دور صقر بالمقاومة الكويتية وكأنه أعاد التاريخ وجسد دور والدي في المقاومة، فقد كان فخر لنا أن يذكر الأعمال البطولية التي قام والدي بها في المسلسل بمشاركة أبطال المقاومة الكويتية.

 

أهالي المنطقة وضعوا اسم والدي على الشارع  وللأسف أزالته البلدية

 

لماذا لم تتم اعادة اسم الشهيد فيصل البحر على شارعه؟

قام اهالي المنطقة بإطلاق اسمه على شارع بمنطقة العديلية، وللأسف ازالته البلدية، وسوف اقوم بعمل حملة لإعادة اسماء شهدائنا على الشوارع مرة اخرى، وقد تم اطلاق اسم والدي الشهيد على مرصد بالمطار باسم مرصد الشهيد فيصل البحر ومسنة بديوانية الصيادين.

 

هل تخيلت كيف ستكون نظرة الوالد رحمه الله لك وأنت تترافعين في قاعات المحاكم؟

مبدئي منذ دخولي لسلك المحاماة، انها مهنة الانسانية والحق والعدل، ولذا أخذت عهدا على نفسي بانني مريم فيصل البحر التي ترفع اسم والدها وتسير على مبادئه فهو رجل ضحى بعمره فداء للوطن وفي المقابل دوري أن أخدم الكويت بكل ما أوتيت من طاقة وجهد.

واضافت: لم انس والدي قط، كثيرا ما اتحدث إليه واحكي له ان اموراً حدثت لي، وأشعر بوجوده حولي وهو يقول لي بكل صلابة انت صح، استمري.

 

ترفض المحامية مريم البحر الترافع في قضايا المخدرات فهل هذا صحيح؟

المحامي دوره الدفاع عن المتهم أو الدفاع عن الحق، فكيف أدافع عن القضايا المشبوهة والتي تخالف قناعاتي، وللأسف ان القانون خصوصا الجزائي به العديد من الثغرات التي قد يستفيد منها المتهم، والقضايا المشبوهة التي لا أقوم بتسلمها هي القضايا التي اشعر بأن المتهم فعلا مرتكب للجرم،

فكيف أقوم بمساعدة تاجر مخدرات للرجوع الى الشارع حرا طليقا أو بإخراج مغتصب للأطفال من السجن؟ أما القضايا الجزائية الأخرى وان كانت قضايا قتل أو سرقة، وتأكدت بقناعتي أن هذا المتهم بريء أو مظلوم فأقوم بتسلمها ما عدا قضية الاتجار بالمخدرات، فلا أترافع فيها بأي حال من الأحوال.

 

أين تكمن قوة مريم فيصل البحر؟

في ثقة أسرتي وحبي لأبنائي والأهم وجود ذكرى والدي الشهيد فيصل البحر وبأن أكون فخرا له وذكرى مشرفة له.

 

شاهد أيضاً

ليس بالذكاء وحده تتحقق النجاحات

ليس بالذكاء وحده تتحقق النجاحات

تختلط الأمور لدى البعض حتى يظنوا أن الذكاء وحده هو الذي يجعل الشخص ناجحًا في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مرحبا

لمتابعة أحدث وآخر الاخبار على مجلة أسرتي يرجى الإشتراك