تحقيقات

الشعر البشري.. تجارة بالمليارات وأوجاع بلا حدود!

أصبحت تفوق تجارة الذهب والماس

هل تعلم المتزينات بالشعر المستعار أن وراء كل خصلة شعر بها

قصة تدمي القلب؟!

«ناعسة وأيوب» ملحمة من أهم ملاحم التراث الشعبي المصري التي تحولت مع الزمن لأجمل وأنجح الأعمال الدرامية بسبب قصتها التي تُجسد معنى الصبر الحقيقي على الابتلاء والحب والتضحية،  فالزوجة ناعسة وزوجها أيوب كانا يعيشان حياة سعيدة رغدة لا ينقصهما شيء من مال أو جاه، حتى بدأ الحسد والحقد والكره يملأ قلوب من يحيطون بهم فتبدلت الاحوال وأصبح الفقر والمرض رفيقين للزوجين فباعا كل ما يملكان، ومرض أيوب بمرض عضال وزادت الحاجة للمال والعلاج فاضطرت ناعسة لبيع شعرها الطويل الجميل الذي كان يميزها عن باقي النساء حتى تعالج زوجها.

قصة ناعسة الدرامية لم تعد درباً من دروب الخيال في القصص الشعبي، فقد أصبحنا نسمع يوميا قصصا تدمي القلب عن سيدات اضطرتهن ظروف الحياة القاسية لبيع كل ما يملكن حتى شعورهن من أجل الحصول على حفنة قليلة من المال.

فتجارة الشعر البشري باتت تنافس تجارة الماس والذهب بل والنفط أيضا، فمن يملك أصبح يشتري كل ما تطوله يداه ممن لا يملك بما في ذلك زينة الرأس وتاجه، ولم العجب ونحن نرى إعلانات الشعر المستعار في كل مكان وكأنه شعر حقيقي وصور نجمات هوليوود ببوصلات الشعر المستعار أو الباروكات الملونة تطل علينا من كل وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي.

ولكن يبقى دائما السؤال: هل يعلمن أن وراء كل خصلة شعر يتزين بها قصة تدمي القلب؟

تبرعت عاملة المنزل «سانتي» بشعرها للمعبد شكراً لله على نجاة ابنها الصغير

كانت لحظة سعيدة عندما تبرعت عاملة المنزل «سانتي» التي تعيش بالكويت منذ تسع سنوات بشعرها للمعبد القريب من قريتها الصغيرة بسريلانكا شكراً لله على نجاة ابنها الصغير من حادث سير كبير تعرض له وقالت: نعم كنت أشعر بأنني أتخلى عن جزء أساسي من جمالي، فالشعر الطويل في بلادنا هو رمز للصحة والجمال. ونوهت: لم أقصه على مدار عشر سنوات، ولكن لا شيء أغلى عندي من ابني ورعاية الله له.

ولكنها استطردت: لا يمكن أن أحلقه أو أتخلى عنه لأجل المال فهو أعز ما أملك بعد أولادي.

في فنزويلا تبيع النساء والرجال شعورهم مقابل 25 – 150 دولاراً حسب جودة الشعر!

 

ولكن كثيرات من النسوة تضطرهن الظروف الاقتصادية القاسية في بلادهن الى بيع شعورهن بأبخس الأسعار كما هو الحال في فنزويلا التي تعاني ركودا اقتصاديا عنيفا منذ 2014 لا يزال مستمرا حتى الآن، وهو ما تسبب في انهيار حاد في العملة المحلية وارتفاع نسبة التضخم الى أعلى مستوياتها خلال القرن الحالي مما دفع بالمواطنين الى بيع كل شيء يمتلكونه ليتمكنوا من الحصول على الاحتياجات الأساسية للمعيشة، ومن بينها بيع شعورهم نساء ورجالا لصالح سماسرة متخصصين في تلك التجارة.

ويتمركز معظم هؤلاء السماسرة في المناطق الحدودية الفنزولية، حيث يقنعن القرويات هناك ببيع شعورهن مقابل ما يمكن أن يسد بعض احتياجات أسرهن بمبالغ تترواح ما بين 25 و 150 دولارا حسب جودة الشعر وطوله ولمعته،

ومن ثم يقومون ببيعها لشركات وصالونات متخصصة في صناعة مستلزمات الشعر مقابل مبالغ طائلة.

في الهند يباع الشعر بالكيلو في مزادات علنية!

الشعر في الهند عبادة وتجارة

ولا يختلف الوضع في الهند كثيرا عن فنزويلا أو سريلانكا، بل قد يكون أصعب فالهند تحتل المركز الأول من حيث تصدير الشعر البشري للعالم أجمع، بل انه يباع بالكيلو في مزادات علنية شهرية، وقد بلغ  حجم إيرادات الهند من تلك التجارة ما يزيد على نصف مليار دولار سنويا حسب دراسة هندية نشرت قبل عامين، أغلبها من قبل المعابد الهندوسية التي تقوم سنويا بحلق شعر مئات الآلاف من السيدات غير المقتدرات اللاتي يتبرعن به تأدية لبعض الطقوس الدينية بدلاً من التبرع بالنقود والمجوهرات.

ويعتبر الشعر الهندي من أجود الأنواع بعد البرازيلي والماليزي ويسمي بالشعر العذري، أي الشعر الذي لا يضاف له مواد كيميائية كصبغات الشعر والشامبو وغيرها من المواد التي تتلف الشعر.

من أغنى معبد لأهم مزادات الشعر

وفي معبد «تيرومال فنكاتتسوارا» الهندوسي بولاية «اندهرا براديش» بجنوب الهند تجلس آلاف السيدات الهنديات وبعض الأطفال والرجال يوميا موزعين بين ثماني عشرة قاعة في انتظار الحلاق لحلق شعرهن ومن ثم التبرع به للمعبد الذي يعد من أغنى وأكبر المعابد البوذية في العالم.

ولا يجد القائمون على المعبد طريقا للتخلص من هذا الكم الهائل من الشعر  الذي يقدر بالأطنان إلا ببيعه من خلال مزادات شهرية والاستفادة من دخله في تطوير المعبد وإقامة المشاريع الصحية والتعليمية الخيرية لصالح أبنائه.

وقد بدأت تلك التجارة في الازدهار بشكل كبير جدا في العام 2011 حيث تضاعفت الاسعار بشكل غير متوقع مع زيادة الاقبال العالمي عليه وفتح أسواق جديدة لتوزيعه وأهمها السوق الأميركية والافريقية وساعد على ذلك أيضا تطور عمليات تصنيعه من قبل الشركات المتخصصة بالعناية بالشعر بشكل غير مسبوق.

خطوات تصنيع الشعر المستعار

ويقوم ما يزيد على 550 حلاقاً بالمعبد يوميا بحلق 20 ألف رأس من النساء، حيث يتم جمع الشعر المحلوق في سلال متنوعة ومن ثم يتم فرزه حسب الطول والنوعية واللون ثم تجميعه، بعد ذلك تقوم عشرات السيدات بغسله وتجفيفه تحت أشعة الشمس استعدادا لبيعه بالمزاد.

ويقول الرئيس التنفيذي مايور بالسارا بشركة «سونا ديفي» التجارية التي تعتبر المصدّر الأكبر لتوريد الشعر البشري إن شركته تقوم بنقل الشعر براً بعد شرائه في أكياس ورقية ثم شحنه حول العالم. ويبلغ سعر الكيلوغرام من الشعر الطويل عالي الجودة ما يزيد على 700 جنيه إسترليني.

ويضيف في تصريحات صحافية نقلت عنه أن الشعر يتم غسله يدوياً داخل مصانع الشركة في أحواض عملاقة ثم شده يدويا على أوتاد لتنعيمه قبل ربطه وتقسيمه الى حزم منفصلة، ويُوضع الشعر بعد ذلك في صناديق ورقية ثم ينقل جوا إلى إيطاليا حيث يتم نقعه مرة اخرى في الماء لمدة 20 يوما لإزالة أي شوائب متبقية فيه.

يعتبر الشعر الأوروبي والروسي الأغلى لندرته وكثرة الطلب عليه.. خاصة من نجمات هوليوود

معظم الشركات تفضل الكنز الذهبي لشعر الروسيات والأوكرانيات والبريطانيات لتقارب لونه مع لون شعر الأوروبيات

شعر الفقيرات على رؤوس النجمات

ولا تتوقف تجارة الشعر الهندي عند حد المعابد فقط، بل انها أصبحت تجارة غير قانونية، حيث يتم التعاقد بين السيدة المحتاجة وسماسرة الشركات بحيث تجني هي ثمن شعرها كمصدر إضافي لدخل الاسرة البسيط.

ولم تسلم أوروبا الشرقية ورسيا من تلك التجارة التي تعتمد على فقر وحاجة البشر، حيث بدأت تنتشر بشكل كبير في روسيا وأوكرانيا وبين الطالبات الفقيرات في بريطانيا نفسها. وتفضل معظم الشركات هذا الكنز الذهبي بسبب تقارب لونه مع لون شعر الأوروبيات من ناحية وسهولة تغير اللون لأي من ألوان الموضة كالأزرق والأصفر والوردي وغيرها من الألوان المطلوبة حسب الموضة.

ويعتبر الشعر الأوروبي والروسي الأغلى نظرا لندرته وكثرة الطلب عليه، علما بأن السوق الأميركية، وخصوصا هوليوود ونجومها هي الأكثر طلباً عليه.

أعمال منافية للأخلاق وراء بعض الحالات

وهناك مزاعم مؤلمة ترجح أن يكون هناك جانب إجرامي وراء تجارة الشعر الاشقر، حيث تشير بعض التصريحات الصحافية الى أنه يؤخذ عنوة وبالاجبار من قبل بعض السجينات، ويعزز تلك الشكوك تصريح للنجمة العالمية فيكتوريا بيكام حينما أعلنت في وقت سابق عن أن بعض وصلات شعرها تأتي من سجينات روسيات وقد أثار هذا التصريح غضب منظمات حقوق الانسان العالمية التي دعت للتحرك لوقف تلك التجارة المنافية لأبسط قواعد الأخلاق.

البرازيلي الأفضل يليه الماليزي والهندي

ويعتبر الشعر البرازيلي هو الأفضل والأغلى من بين الشعور الداكنة، حيث يكون على شكل تجاعيد سميكة ومموجة ولديه  القدرة على تحمل درجات الحرارة العالية ومن ثم يمكن إعادة تصفيفه بأكثر من شكل، وهو مقاوم للتشابك ويمكن إزالته وتركيبه بسهولة ويعيش لفترة قد تصل لعامين. ثم يأتي الشعر الماليزي في المرتبة الثانية بسبب نعومته ولمعته وعدم حاجته للعناية الشديدة، فيما يحتل الهندي المرتبة الثالثة الشعر الهندي،  إذ يتسم بخفة الوزن فلا يزيد من قوة الجذب على بصيلات الشعر الطبيعي وهو ما يتناسب مع ذوات الشعر الخفيف، كما أنه يتمتع بتموجات طبيعية، ولا يتعرض إلى التشابك مطلقاً ولا يتساقط بسهولة، ويمكن إعداد الكثير من أنماط تصفيفات الشعر مع هذا النوع.

أما الشعر الأوروبي فيأتي في المرتبة الرابعة، رغم أنه الأعلى سعراً بسبب زيادة الطلب عليه وصعوبة الحصول عليه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: