ثقافةمرايا

إبراهيم‭ ‬الكوني‭:‬‭ ‬ عشت‭ ‬بدون‭ ‬امـرأة‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬وأحببتها‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يحبها‭ ‬أحد

حصل‭ ‬الروائي‭ ‬والمفكر‭ ‬الكبير‭ ‬إبراهيم‭ ‬الكوني‭ ‬على‭ ‬جوائز‭ ‬عالمية‭ ‬كثيرة‭ ‬وعربية‭ ‬قليلة‭ ‬ومنها‭ ‬جائزة‭ ‬الدولة‭ ‬السويسرية‭ ‬ووسام‭ ‬الفروسية‭ ‬الفرنسي‭ ‬للفنون‭ ‬والآداب‭ ‬وجائزة‭ ‬اللجنة‭ ‬اليابانية‭ ‬للترجمة‭ ‬وجائزة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وجائزة‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد‭ ‬وأخرى‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬واختارته‭ ‬مجلة‭ ‬لير‭ ‬الفرنسية‭ ‬كأحد‭ ‬أبرز‭ ‬خمسين‭ ‬روائيا‭ ‬عالميا‭ ‬معاصرا‭ ‬وهو‭ ‬مفكر‭ ‬وروائي‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬فريد‭ ‬له‭ ‬فلسفاته‭ ‬وآراؤه‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والعالم‭ ‬والمرأة،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬نبحر‭ ‬مع‭ ‬الكوني‭ ‬داخل‭ ‬عوالمه‭ ‬الخاصة‭:‬

الاغتراب‭ ‬والصحراء
عشت‭ ‬مغترباً‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الصحراء‭ ‬التي‭ ‬عشقتها‭ ‬فما‭ ‬مفهوم‭ ‬الاغتراب‭ ‬كما‭ ‬تراه‭ ‬وكيف‭ ‬تصف‭ ‬رحلتك؟

− أنا عشت طفولتي حتى سن العاشرة في الصحراء الكبرى ثم انتقلت إلى واحات جنوب ليبيا ومنها إلى طرابلس التي لم أمكث بها سوى ثلاث سنوات ومن ثم سافرت للدراسة في معهد جوركي للآداب في موسكو وواصلت اغترابي في أوروبا من سويسرا إلى إسبانيا وغيرهما وهو ما تطلب مني التحدث بأكثر من لغة، منها الروسية التي قرأت بها معظم الآداب العالمية والفرنسية والألمانية وهذه الحزمة من الاغترابات لعبت دوراً مركزياً في تكويني الروحي حتى غدت هويتي هي العالم نفسه فهناك أنواع مختلفة من الاغتراب مثل اغتراب الهوية والاغتراب الوجودي، حيث يبقى السؤال الآن عن هذا المخلوق من طين الذي نفخ الله فيه الروح: ما مهمته في الوجود؟

تتحدث‭ ‬عدة‭ ‬لغات‭ ‬وتكتب‭ ‬بها‭ ‬فما‭ ‬علاقتك‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬الأم‭ ‬وهل‭ ‬هي‭ ‬أداة‭ ‬للتعبير‭ ‬فقط؟

− بداية اللغة ليست أداة للتعبير فقط، بل وجود وكينونة فلا وجود خارج اللغة، أنا أفكر إذن أنا موجود وكل من يتعلم لغة جديدة يولد من جديد والحقيقة يدهشني دائمًا أن العرب لا يعرفون لغتهم فأنا أحب العربية لأنها لغات ولهجات وهناك ما بين اللغة الكلاسيكية والمعاصرة لغة مستترة تحمل عمقًا روحيًا ثريًا جدًا وعلى كل من يتعامل مع هذه اللغة أن يستنطقها كي يستخرج كنوزها وإن كانت اللغة الكلاسيكية لا نستطيع أن نفهمها إلا عن طريق معجم ما يعني أنها غدت لغة ∩منسية∪ يجب أن يعاد إحياؤها وهذا هو دور المبدع فالمبدع لا يكون مبدعًا ما لم يطور اللغة ويخلق بها الروح الشعرية ويكتشف عناصرها الكلاسيكية والمنسية فمثلًا اللغة المصرية القديمة التي حملت تراثًا عظيمًا ظلت منسية إلا أن جاء ∩شاملبيون∪ وفك شفرتها.
الإنسان‭ ‬السعيد‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭ ‬الصحراء‭ ‬وإنسان‭ ‬الأسطورة‭ ‬وليس‭ ‬إنسان‭ ‬المدينة

هوية‭ ‬الصحراء

يطلق‭ ‬عليك‭ ‬اأديب‭ ‬الصحراءب‭ ‬وأهم‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬عنها‭ ‬وتعلق‭ ‬بها‭ ‬فهي‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬أعمالك‭ ‬عبر‭ ‬روايات‭ ‬ملحمية‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬أجزاء‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الكثيرين‭ ‬يهربون‭ ‬منها‭ ‬وينظرون‭ ‬إليها‭ ‬بسلبية‭.‬
− صحيح مازلنا في عالمنا ننظر بسلبية إلى الصحراء ونستعمل مفردة ∩التصحر∪ بدلالة سلبية رغم ما للصحراء من فضل على البشرية ففيها ظهرت الرسالات السماوية ووفرت لنا الماء وحتى الطاقة التي تضيء العالم كله اليوم، واليابسة مقدسة في جميع الكتب المقدسة وفي الميثولوجيا فكلمة ∩جيو∪ اليونانية تعني الرابية أو المكان المرتفع عن سطح الماء فهي الأرجوحة التي انفصلت بنا عن غمر الماء ومن ثم فهي وطن الحرية وفي سفر الخروج يأمر الله الفرعون بأن أطلق شعبي ليعبدوني في البرية فأرض الميعاد هي الحرية والحرية لا وجود لها إلا في الصحراء وأنا أشعر بأنني مسكون بالصحراء يعني لست أنا من يسكن الصحراء ولكن الصحراء هي التي تسكنني ولسنا في حاجة لأن ندلل على قيمتها ويجب إعادة النظر في معنى وهوية الصحراء وما قدمته للعالم بينما إذا وجد النهر وجدت معه السلطة والعبودية، أما الإنسان الراحل أو الرحالة فهو يحمل وطنه على ظهره، إنسان نبيل لا يقهر وعندما درست الآداب في معهد جوركي كانوا يحدثوننا عن نظرية الرواية بوصفها فنًا مدينيًا لا ينتمي إلى الريف أو الصحراء وفي الوقت نفسه يطلبون منا أن نكتب عما نعرفه وأنا لا أعرف سوى الصحراء وهذا يعني أن تلك النظرية حكمت عليّ بالموت فقررت أن ألقي بقفاز التحدي ولم أكتب عن الصحراء رواية واحدة بل روايات ملحمية من عدة أجزاء واكتشفت أن المدينة ليست هي أساس الرواية بل لغز اسمه الإنسان فكل إنسان هو رواية في حد ذاته وكل صحراء لها حق الوجود وحق أن تقول كلمتها فليس أجمل من طبيعة الصحراء لأنها عارية ومكشوفة ولا تخفي شيئًا في حين أن العالم مسمم بالأدلجة ما بين اللاهوت وطاغوت الايديولوجيا والإنسان السعيد هو إنسان الصحراء وإنسان الأسطورة وليس إنسان المدينة.

لم‭ ‬يعرقل‭ ‬النهضة‭ ‬العربية‭ ‬مثل‭ ‬الشعارات

العالم‭ ‬العربي‭ ‬مسيّس
ما‭ ‬رسالة‭ ‬المبدع‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرك‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬لأيديولوجيا‭ ‬معينة؟

− مختلف الايديولوجيات سواء القومية أو الدينية أو الليبرالية مسؤولة في كل العصور عن كل ما يحدث وعن قمع الروح في العالم، والمبدع ليس داعية ووطن المبدع هو العزلة والتأمل ورسالته أن يقول الحقيقة فمهما تحدثنا عن جماليات أدبية وروح شعرية فهذا لا يعني شيئًا ما لم يقدم رسالة إنسانية والشعارات تقتل أي رسالة حقيقية ولم يعرقل النهضة العربية مثل الشعارات الايديولوجية ومأساتنا أننا في العالم العربي نُسيس كل شيء ونختصر الوجود كله في حرف واحد هو السياسة أو الشعار في حين أن الوجود أرحب من ذلك ويفترض أن تكون السياسة أصغر هامش فيه وللأسف معظم الأدب العربي مسيس ومثل هذه النصوص هي تقارير وليست أدبًا لأن الأدب لا بد أن يقوم على الأسطورة والاستعارة.
هو‭ ‬والمرأة‭ ‬

تقول‭ ‬في‭ ‬كتاباتك‭ ‬إن‭ ‬المرأة‭ ‬تحكم‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬قناع‭ ‬اسمه‭ ‬الرجل‭ ‬والرجل‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬أو‭ ‬دمية‭ ‬ونلاحظ‭ ‬أنك‭ ‬تصب‭ ‬جام‭ ‬غضبك‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬حين‭ ‬تكتب‭ ‬أفكارك‭ ‬ومقولاتك‭ ‬لماذا‭ ‬وهل‭ ‬تستطيع‭ ‬العيش‭ ‬بدونها؟

− عشت بدون امرأة عشرات السنين ولو كانت موجودة في حياتي ما كتبت هذه الكتب ولا أنجزتها ويكفي هذا، المرأة هي التي أغوت آدم لأن يلتقم الثمرة الحرام، من هنا أتت العلاقة السلبية ربما هي ليست سلبية، ولكن هذا ما حدث بالفعل أن المرأة أصبحت حاملة للواء الإغواء وأنا أفضل استعمال كلمة إغواء على استعمال كلمة خطيئة لأن كل شيء في واقع الأمر هو إغواء وهذا العالم كله إغواء وكل ما يغوي هو ينسي الرب وأنا أتحدث على المرأة كواقع عام، القداسة شرطها التخلي عن المرأة، الرهبنة شرطها التخلي عن المرأة.

المرأة‭ ‬هي‭ ‬العالم‭ ‬هي‭ ‬الدنيا‭ ‬هذا‭ ‬شيء‭ ‬بديهي‭ ‬هل‭ ‬أحببت‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬وصدمت‭ ‬فكرهت‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد؟

− لم يصدمني أحد، بل أحببت النساء كما لم يحبهن أحد، القضية ليست كراهية بالعكس هذا فهم عميق للمرأة وليس إدانة خارجية، هذا فهم عميق لتجارب البشرية وليس تجربة شخصية والواقع إذا احترف الرجل مخادع النساء أخفق في كل شيء، هذه هي الحقيقة وحتى لا يفهم كلامي بشكل خاطئ فالمرأة عندي امرأتان وليست امرأة واحدة فهناك المرأة مبدعة العالم وهناك المرأة الأنثى أي الخطيئة فموقفي عدائي دائما من المرأة الأنثى.

حصدت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجوائز‭ ‬فهل‭ ‬تطمح‭ ‬لجائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب؟

− نعم حصدت جوائز كثيرة لكنني لم أسع إليها، فأنا لا أطمح لشيء، وما أطمح له هو أن أحقق حدا أدنى من مضمون المهمة التي سخرت لها نفسي منذ كنت يافعا في جنوب ليبيا وهي رسالة الحقيقة وهي يجب أن تكون رسالة كل إنسان في هذا الوجود.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: