ثقافةزوايا

حكايات‭ ‬الكنافة‭ ‬والقطايف‭ ‬والمسحراتي‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي

 

تزخر‭ ‬صفحات‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬القديمة‭ ‬بالنماذج‭ ‬الأدبية‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بشهر‭ ‬رمضان‭ ‬الكريم،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬صيامه‭ ‬فريضة‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭ ‬والشعراء‭ ‬العرب،‭ ‬لم‭ ‬يختلفوا‭ ‬عن‭ ‬عوام‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬اختلاف‭ ‬رؤيتهم‭ ‬وتقديرهم‭ ‬لهذا‭ ‬الشهر،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يراه‭ ‬ضيفا‭ ‬محبوبا‭ ‬يستقبل‭ ‬بشتى‭ ‬مظاهر‭ ‬المحبة‭ ‬والابتهاج‭ ‬ويودع‭ ‬بالحزن‭ ‬على‭ ‬انقضائه،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يمتنع‭ ‬عن‭ ‬الغزل‭ ‬فكتب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الغزل‭ ‬في‭ ‬الأطعمة‭ ‬والمشروبات‭ ‬خاصة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالشهر‭ ‬الفضيل،‭ ‬ولم‭ ‬تخل‭ ‬صفحة‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬المديح‭ ‬والطرائف‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭.‬
ونستعرض‭ ‬فيما‭ ‬يلي‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬طرائف‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬مع‭ ‬المظاهر‭ ‬الرمضانية‭ ‬كالمسحراتي‭ ‬وفانوس‭ ‬رمضان‭ ‬والكنافة‭ ‬والقطايف‭.‬

الكنافة‭ ‬والقطايف

ارتبطت أيام وليالي رمضان كذلك بالشعائر الروحانية والعادات والتقاليد باختلاف أشكالها من بلد لآخر، والتي طالما كان من الجميل الحفاظ عليها وإحياؤها، وقد سجلت أمهات الكتب الكثير من مظاهر شهر رمضان وتقاليده بطقوس لا تكاد تنفصل عنه مثل (الفوانيس ومدفع الإفطار والياميش والكنافة)، وليست هذه المأكولات والطقوس الرمضانية جديدة على رمضان، بل تكاد تصبح تراثا ممتدا في تاريخ مجتمعاتنا العربية منذ زمن قديم، ومن أشهر الحلويات الرمضانية (القطايف والكنافة)، وكان من العادات الموروثة أن للحلوى أثرا محمودا في رد قوة الصائم إليه، وقد بلغت شهرة الكنافة والقطائف إلى أن جلال الدين السيوطي كتب فيهما كتابا جمع فيه كل ما قيل عنهما أسماه ∩منهل اللطائف في الكنافة والقطائف∪.

وتروي لنا صفحات الأدب شهادة لهذا التراث لا تخلو من الفكاهة، فأبو الحسين الجزار أحد الشعراء الصعاليك بالعصر المملوكي قدم تجربة مختلفة كشاعر اشتهر بحبه للكنافة وألّف لها العديد من النصوص داعيا لها بالمطر والسقيا مقلدا في ذلك الشعراء الجاهليين الذين ارتبطت حياتهم بالصحراء وكانوا يدعون لمن يحبون بالسقيا.
يقول أبو الحسين:
سقى الله أكتاف الكنافة بالقطر
وجاد عليها سكرًا دائم الدر
وتبًا لأوقات المخلل إنها
تمر بلا نفع وتحسب من عمري

وكما تغنى قيس بليلى وعنترة بعبلة فإن أبو الحسين تغنى بمحبوبته الكنافة متخيلا إياها في أحد نصوصه أنها تتهمه بالخيانة مع ضرتها ∩القطائف∪.

يقول أبو الحسين:

ومالي أرى وجه الكنافة مغضبا
ولولا رضاها لم أرد رمضانها
ترى اتهمتني بالقطائف فاغتدت
تصد اعتقادًا أن قلبي خانها
وقد قاطعتني ما سمعت كلامها
لأن لساني لم يخاطب لسانها

هكذا كان الشعراء يطلقون العنان لخيالهم في أمور رمضان وطقوسه ويكتبون أشعارهم في مظاهره بشكل ساخر وفكاهي أقرب إلى الصور الكاريكاتيرية.

المرأة‭ ‬امسحراتيب‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي

وفي مصر عام 228 هجريا كان الوالي عنبسة بن إسحق هو مصدر الإلهام لشخصية المسحراتي بصورتها الحديثة، فكان يخرج من بيته قبل الفجر آخذا طريقه من مدينة العسكر إلى جامع الفسطاط على قدميه، وفي طريقه كان ينادي على الناس مذكرا إياهم بالسحور، ثم في عهد الدولة الفاطمية كان الجنود يتولون مسؤولية إيقاظ الناس للسحور، ثم بعد ذلك عينوا رجلا أصبح معروفا بالمسحراتي يدق الأبواب بعصاه مناديا: ∀يا أهل الله قوموا تسحروا∀ ثم بعد ذلك تعددت الأساليب وأصبحت شخصية المسحراتي من أجمل الطقوس التي اشتهر بها شهر رمضان وكانت طائفة المسحرين تتفنن في تأليف الأناشيد والزجل من حث على الصيام والصدقة جنبا إلى جنب مع دعوتهم للاستيقاظ للسحور ومما قيل على لسان بعضهم:
أيها النوّام قوموا للفلاح
واذكروا الله الذي أجرى الرياح
إن جيش الليل قد ولى وراح
وتدانى عسكر الصبح ولاح
اشربوا عجلى فقد جاء الصباح

ولم تكن مهنة المسحراتي موقوفة على الرجال فقط بل شاركت فيها النساء أيضا، ويحكي لنا الأدب شهادة على ذلك في مغازلة زين الدين بن الوردي إحداهن بقوله:
عجبت في رمضان من مسحرة
بديعة الحسن إلا أنها ابتدعت
قامت تسحرنا ليلًا فقلت لها
كيف السحور وهذي الشمس قد طلعت

فانوس‭ ‬رمضان
كان فانوس رمضان موضع سجال بين الشعراء يجتهدون في وصفه بصور بليغة وخيال بديع حيث يقول الأديب المصري علي بن ظافر المتوفى سنة 613هجرية: اجتمعنا ليلة في رمضان فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وقد أُوقِد فانوس للسحور، فاقترح بعض الحاضرين على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي أن يقول فيه شعرا فأنشد:
ونجم من الفانوس يشرق ضوؤه
ولكنه دون الكواكب لا يرى
ولم أر نجمًا قط قبل طلوعه
إذا غاب يُنهى الصائمين عن الفطر

وقال:
هذا لواء سحور يستضاء به
ويسكر الشهب في الظلماء جرار
والصائمون جميعًا يهتدون به
كأنه علم في رأسه النار

ولا تنتهي مساجلات الشعراء والأدباء في وصف شهر رمضان وطقوسه كل منهم بنظرته المختلفة والخاصة لهذا الشهر، ويبقى شهر رمضان مجالا لبسط قدرة الإنسان على ذاته وإرادته ودافعا للابتعاد عن الهوى، كما يبقى الصوم عبادة تتضح فيها قيمة الصدق فيما يفعله الإنسان بينه وبين نفسه عندما يكون الله وحده مطلعا عليه، لكن تظل فكاهات الأدب والشعر شاهدة على الطقوس الرمضانية الجميلة في تاريخ الأدب العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: