ثقافةزوايا

نشأتي السكندرية سر يكتشفه قرائي

يصنف كأحد أهم الكتاب المعاصرين.. تعتبر روايته «لا أحد ينام في الإسكندرية» أيقونة من أيقونات الأدب المصري، لذا لم يكن غريبًا أن يتم اختيارها ضمن قائمة أفضل مائة رواية عربية، وترجمتها إلى عديد من اللغات، وذلك لما عبَّر فيها وثلاثيتها «طيور العنبر، الإسكندرية في غيمة» من أسرار نشأته في مدينة الإسكندرية..

إنه الروائي إبراهيم عبدالمجيد الذي استفاد بدراسته للفلسفة ونشأته في عروس البحر المتوسط ليخوض رحلة إبداع تعكس خصوصيته.. وشهدت الدورة الـ49 الأخيرة بمعرض القاهرة للدولي للكتاب صدور روايته الجديدة «قبلَ أن أنسَى أني كنتُ هُنا»، وكذلك كتاب «أنا والسينما».. تعالوا نقتطف بعضًا من أسرار حياته وإبداعه..

دخلاء الرواية أثَّروا سلبًا على مستواها لكنها ستلفظهم

دائمًا ما تحمل رواياتك أسماءً غريبة وآخرها.. «قبلَ أن أنسَى أني كنتُ هُنا».. فما المغزى الفلسفي من ذلك؟

– العنوان دائمًا انعكاس أساسي عن حكاية الرواية، وفى روايتى الجديدة «قبلَ أن أنسَى أني كنتُ هُنا» أسرد واقعا وأصفه فترى بدايتها «ارتفعت الأنظار، فكانت هناك أشجار تعبر تحت السماء إلى كل اتجاه، وارتفعت سارينات السيارات وخرج بعض من فيها أو ركنوها إلى الرصيف ووقفوا تحت بلكونات العمارات،

بينما وقف آخرون جوارها ينظرون إلى السماء، ارتفعت أصوات أذان من المساجد البعيدة والقريبة تصل إلينا، وامتلأت الشرفات بنساء ورجال وأطفال يدخلون ويعودون بسرعة، ولا أحد يعرف هل يضحكون أم يصرخون. مندهشون أم مرعوبون»،

وهنا أقول ان لكل اسم لرواياتى حكاية وموضوعًا، وللعلم فإننى اختار اسم رواياتى قبل كتاباتها، أراها كالحلم الذى يسيطر على تفكيري وعقلي حتى أستطيع أن أطرح مخاض هذه الرواية.

السينما حياة

طرحت في التوقيت نفسه كتابك «أنا والسينما» فحدثنا عنه.

– هو مجموعة من المقالات التي كتبتها ونشرت بعضها بجريدة الأهرام من خلال حلقات بعنوان «أنا والسينما»، وحكيت فيها عن علاقتي بالسينما وأبرز دور العرض، وكذلك تفاصيل بعض الأدوار التي قدمها نجومها السينما المصرية، وهذه المقالات توثيق حي لسنوات كثيرة في عمر السينما المصرية بشكل خاص،

لذلك قررت أن أطرحها في كتاب وبعض المقالات التي لم أنشرها، لتكون ذاكرة سينمائية واضحة، وهي أيضًا ترصد واقعًا مهمًا للمجتمع باعتبار السينما جزءا لا يتجزأ من تصوير المجتمع، وهي أقرب أنواع الفنون للرصد الواقعي، لذلك قررت ضمن خطتي في توثيق الواقع أن اطرح هذه المقالات لتكون مرجعًا.

 

نقطة فارقة

روايتك «لا أحد ينام في الإسكندرية» اختيرت ضمن قائمة أفضل مائة رواية عربية واعتبرها عديد من النقاد ذات مفردات عالمية… فما الذي يميزها عن بقية رواياتك؟

– «لا أحد ينام في الاسكندرية» رواية تاريخية عن الحرب العالمية الثانية في الإسكندرية، لكنها لم تعتمد على ربط الماضي بالحاضر من خلال إسقاطات تاريخية أو سياسية، بل تعتمد على نقل القارئ إلى تلك الحقبة، وتترك له حرية التقييم، وقد حاولت عبر هذه الرواية، التركيز على المعاناة التي عاشها أهل الإسكندرية أثناء الحرب.

وما لا يعرفه البعض أن هذه الرواية قد استغرقت 6 سنوات من الكتابة؛ لأنني ولدت بعد الحرب العالمية، وعدت إلى أرشيف الصحف بداية من الأهرام من تاريخ 1 ستمبر 1939إلى 29 نوفمبر 1942، حيث قرأت كل أرشيف الأهرام في تلك الفترة يوما بيوم،

وقمت بمجموعة كبيرة من الزيارات إلى الأماكن التي وقعت فيها الحرب العالمية الثانية والأماكن التي وقعت فيها الغارات، حيث قرأت كل مذاكرات القادة العسكريين في ذلك الوقت، وقرأت كتبا عن علم الاجتماع، عن الحياة المصرية في ذلك الوقت، بحثًا عن أسعار السلع وأسماء الفنانين وموضات الأزياء وأسماء الشوارع القديمة، وهذا الأمر استغرق مجهودًا رهيبًا.

تنتمي «في الصيف السابع والستين» و«لا أحد ينام في الإسكندرية» إلى الروايات التسجيلية التي ترصد أحداثًا في الماضي.. فما الاختلاف بين التجربتين؟

– في رواية «في الصيف السابع والستين» كان لدي غضب مما حدث في نكسة يونيه؛ لذلك سيطرت عليها الروح السياسية بشكل كبير، فكانت الرواية عبارة عن كولاج بين الأفكار لتخرج بها بإدانة الذين تسببوا في الأحداث.. أما في الأخيرة فكما قلت هى رصد للواقع، ولذلك كانتا تجربتين مختلفتين تماما حتى في مشاعري وأنا أكتبهما.

غيمة الإسكندرية

يلاحظ القارئ دائمًا أن الإسكندرية حاضرة في غالبية أعمالك.. فلماذا؟

– في الثلاثية التي قدمتها عن الإسكندرية حاولت نقل القارئ إلى الأحداث، وتركت له حرية تقييمها بنفسه على الرغم من أنه الآن يميل أكثر إلى المباشرة في طرح الأحداث خاصة السياسية،

لكن باعتباري سكندري النشأة عشت فيها كل حياتي ومازالت أعيش فيها، أردت أن أنقل صورة روائية واقعية واضحة وتركت النهايات للقارئ ليضعها كيف يشاء.

 

«داريل» أحد الكتاب الذين أرخوا للإسكندرية في كتاباتهم.. فهل ترى أنه كان دقيقًا في رصده؟

– داريل لم يكن مؤرخًا لتاريخ الإسكندرية بالمعنى الدقيق، لكنه كان يكتب عن تاريخ الأجانب فيها خاصة في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، وأنا ركزت بشكل كبير على روح المكان، وفي رأيي أن مدينة الإسكندرية هي كالبلورة السحرية تعطي كل كاتب إمكانيات لها أوجه كثيرة جدًا،

وأنا معجب بتجربة كفافوس أكثر من داريل، ولا شك في أن داريل له قيمة عظيمة جدًا كشاعر وروائي وقيمته كروائي بأنه قدم شكل الرباعية لأول مرة ولغته شاعرية ومجدد في كتاباته، بينما كفافوس حاول ربط الإسكندرية بالعصر الهليني والإسكندرية بالنسبة له تسكن في الروح، لذلك إحساسه بالمكان كان أعلى من داريل.

الأدب والثورات

استشرفت في روايتك «في كل أسبوع يوم جمعة» المستقبل.. فهل هذا جزء من ملكات الكتابة؟

– «يوم الجمعة» هو يوم المصائر والنهايات، واستشراف المستقبل يخلو من التفاصيل مثل شكل التغيير وطبيعته، وكيف سيتم؟  لأنها  ترتبط   بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والقهر والاستبداد،

لكن هل يعني هذا أنني عندما كتبت الرواية توقعت الثورة؟ كل ما هنالك أن الكاتب يتجاوز الوقت، فهو غضبان، وغير متوافق مع المجتمع، ودائمًا يطمح إلى ما هو أفضل.

لكن..هناك من توقعوا ثورات الربيع العربي بتفاصيلها؟

– لا أعتقد صحة ما يذهب إليه بعضهم من أن رواية ما كانت سببًا في قيام ثورة، الثورة كانت انطلاقة أوطان وثورة على واقع مؤلم، والأدب تأثيره عادة يكون على المدى البعيد، الأدب مهما كانت قيمته فلا يمكنه أن يصنع ثورة،

لكن يمكنه أن يصنع أناسًا أسوياء، فالثورات تأتي نتاج متغيرات اقتصادية واجتماعية، يتم التعبير عنها من خلال الكتابة المباشرة، سواء كانت مقالات أو دراسات أو أبحاثا، كما أن الثورة صنعت فنونًا جديدة مثل فن الجرافيتي، والفنون التشكيلية، شعر العامية، الأفلام القصيرة، وأرى الرواية متأخرة في هذا الشأن وهذا أمر طبيعي، لأنها تحتاج إلى تأمل.

المرأة حياة

كيف أثرت المرأة في شخصية ابراهيم عبدالمجيد؟

في رأيي، المرأة هي المحرك للحياة بشكل عام، وبالنسبة لي والدتي كان لها الدور الأكبر في رعايتي ومتابعة مسيرتي التعليمية، وكنت حريصًا منذ صغري على المشاركة في جلساتها مع جيرانها وأقاربنا من نساء العائلة،

وفي تلك الجلسات كنت أستمع إلى المتاعب التي تواجهها المرأة في المجتمع والظلم الذي تتعرض له، وتلك الحكايات كان لها تأثير كبير عليّ في تلك المرحلة المبكرة من حياتي، لذلك في روايتي «طيور العنبر» كان هناك انعكاس لتلك الحكايات.

 

وإلى أي مدى أثرت علاقتك بالمرأة بشكل عام على أعمالك الإبداعية؟

– كما ذكرت سابقًا، المرأة هي المحرك للحياة بشكل عام، وفي كل الملاحم والأساطير التي جرت وقائعها عبر التاريخ القديم والحديث كانت السبب دائمًا امرأة يحبها أحد أبطال الملحمة أو الأسطورة، فتندلع الحروب من أجلها كما في الإلياذة مثلا أو الأوديسة…

 فجمال وتأثير المرأة يتجاوزان المكان والزمان، لذلك في روايتي «ليلة العشق والدم» تجد البطلة «وردة» لا يصل إليها أحد، وتقوم من أجلها المعارك، الأمر تكرر في رواية «المسافات» فـ «سعاد» رمز للجمال الكوني تقريبا ولايصل إليها أحد أيضًا ويضيع الرجال في الطريق إليها،

وبالمناسبة هذه شخصيات من الحياة بالفعل، لكن الفن جعلها في مكان أعلى من الواقع، ففي روايتي «اداجيو» قصة فراق يكاد ينتهي بها العالم بموت الحبيبة، ولعله انتهي بالنسبة للمحب «سامر»، وفي ثلاثية الإسكندرية («الإسكندرية في غيمة» و«لا أحد ينام في الإسكندرية» و«طيور العنبر») قصص الحب أسمى وأعظم مما حولها، رغم كل عراقيل الحب ورغم كل نهايات الفراق.

زوجة الروائي

في عديد من رواياتك جنوح إلى قصص حب تعيشها بطلة العمل.. فهل يمكن أن يعشق الكاتب بطلات أعماله؟!

– هذا سؤال معقد للغاية، فالكاتب حين يبدأ كتابة عمل إبداعي ويكتب عن بطلة من بطلاته يسرح بخياله ويتخيل ملامحها وشكلها وتفاصيل حياتها اليومية، وفي بعض الأحيان يمكن أن يقع في غرامها، وهنا أحب أن أشير إلى أن زوجة الروائي لها الجنة،

لأنها تتحمل ما لا يطيقه غيرها من نساء الأرض، فهي تعيش مع زوج يندمج في كتاباته ويعيش مع أبطالها وربما يخطئ في اسم زوجته ويخاطبها باسم بطلة من بطلات أعماله!

الوحدة العربية على الصعيد الثقافي وهْمٌ

ازدهار روائي

وكيف ترى وضع الرواية العربية حاليًا؟

– أراها مزدهرة جدًا في كل الدول العربية، وهي الفن الأول حاليًا، وهناك عدد كبير ممن كتبوا في مجال الرواية، بعضهم ربما يجربون للمرة الأولى، وهناك أيضًا كتابات غير جيدة، لكن الزمن قادر على غربلة الغث من السمين.

إذن.. هل يمكن صناعة وحدة عربية من منطلق ثقافي؟

– لا يمكن تحقيق وحدة عربية على صعيد الجانب الثقافي، هذا وهم، لأن لكل مجتمع عربي ثقافته وعادته وتقاليده وقيمه الخاصة به، والتي يصعب اندماجها بالشكل المطلوب والحتمي لصنع هذه الوحدة التي تتحدث عنها ثقافيًا،

فتجد في دول مثل المغرب أقلية أمازيغية، وأقلية كردية في سوريا، ونوبية في مصر كلها تحمل أيديولوجيات مغايرة تمامًا للأخرى، فكيف تحافظ على بقاء هذه الثقافات في ظل الإندماج والذوبان المنشود وخلق ثقافة وحدوية مشتركة على منحى ثقافي هو في الأصل يتسم بالتناقض والاختلاف البيني؟

ولنا أن نقول إنه لا يمكن تفعيل أي وحدة عربية إلا من خلال الصعيد والمنحى الاقتصادي وإعلاء قيم تحقيق سوق عربية مشتركة بما يكفل الاندماج الرأسمالي الذي هو عماد رئيسي لأية وحدة فضلًا عن الأهداف التشاركية بين الأطراف الساعية لهذه الوحدة.

 

أخيرًا… كيف تقيّم واقع العولمة على ثقافتنا العربية؟

أي شيء في الدنيا له ما له، وعليه ما عليه، ويجب ألا ننظر إلى موضوع العولمة وتأثيراتها على المنحى الثقافي رؤية ضيقة تعتمد في تصورها على أن تحقيق العولمة وتطبيقها بالشيء المخيف أو الخطير على حضارتنا،

والتأثير على المنحى الاجتماعي بالتخوف من تسببها في اضمحلال الجانب الأخلاقي والسلوكي، هذه النظرة سطحية لمتطلبات الاندماج مع الحضارات والثقافات التي تختلف معنا في القيم والعقائد، ونحن في أمس الحاجة للتأقلم مع ضرورة اللحاق بركب التقدم والتطور الذي لا بد منه، إذا ما أردنا أن نحيا حياة أقرب إلى المثالية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: