أزياء وموضةالنصف الحلو

أبو الأزياء الجاهزة ومبتكر إطلالات العصر الفضائي Pierre Cardin

وجوه من عالم الموضة

قبل يومين فقط من انتهاء عام 2020 غيّب الموت أسطورة الأزياء العالمي بيير كاردان الملقب بأبي الأزياء الجاهزة عن عمر ناهز الـ 98 عاماً بعد رحلة طويلة من العمل الشاق الذي امتد لعدة عقود من الزمن استطاع خلالها تغيير شكل الموضة تاركا وراءه امبراطورية تحمل اسمه وتقدر قيمتها بنحو 640 مليون دولار أميركي.
رحلة طويلة امتدت لعدة عقود قلبت موازين الموضة، ولا سيما في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فهو أول من قدم الأزياء المستلهمة من ملابس رواد الفضاء وأول من أدخل موضة الفساتين المنفوخة في قاموس الأزياء النسائية، بل هو من ابتكر فكرة الأزياء الجاهزة التي حولت الملابس التي كانت تصمم خصوصا لبنات الطبقة المخملية من خلال عروض الاوت كوتور إلى عموم السيدات ليس فقط في فرنسا بل في العالم أجمع.

كريستيان ديور استعان به عام 1947 فشارك في تصميم أبرز القطع الأيقونيّة للدار

رحلة الشهرة من البندقية إلى باريس
ولد المصمم الراحل في العام 1922 بمدينة سان بياجيو دي كالالتا الواقعة شمال إيطاليا لعائلة ثرية، فالوالد كان يعمل بتجارة النبيذ، ولكن وكما يقال دوام الحال من المحال فالحربان العالميتان الأولى والثانية أفقدتاه ثروته واضطر الطفل الصغير الى العمل في أحد محلات الخياطة المعروفة آنذاك إلى جانب استكماله دراسته.
في العام 1945 قررت الأسرة مغادرة إيطاليا والرحيل إلى فرنسا هربا من الفاشية لتفتح تلك الخطوة أبواب النجاح والشهرة على مصراعيها للمصمم الشاب الذي رضخ لرغبة والده بدراسة الهندسة المعمارية رغم شغفه وولعه بعالم الأزياء والموضة.
في تلك الأثناء قرر كاردان أن يزيد من خبرته في مجال الخياطة إلى جانب استكمال دراسته الجامعية، حيث عمل لدى أهم مشاغل الخياطة بباريس سنوات دراسته، واستمر كاردان في العمل لدى كبار الخياطين بباريس من بينهم جان باكان وإلسا شياباريللي، حيث تدرب على فنون العمل بهذا المجال.

ذاع صيت كاردان في باريس بعد تقديم تصميمات ظهرت في بعض
الأفلام الشهيرة ومنها
Beauty and The Beast

كريستيان ديور وجه السعد
ذاع صيت كاردان في العاصمة باريس، خصوصا بعد تقديم عدد من التصميمات التي ظهرت في بعض الأفلام الشهيرة في ذلك الوقت من بينها
Beauty and The Beast” مما دعا دار كريستيان ديور للأزياء الى الاستعانة به في العام 1947 لتصميم مجموعة الاوت كوتور حيث شارك في تصميم مجموعة الـ (تايور بار) إحدى أبرز القطع الأيقونيّة للدار واهم بصماتها التي ميزتها عن غيرها من العلامات التجارية الأخرى، حيث ركزت تصميمات تلك المجموعة على إبراز قوام المرأة بشكل لا مثيل له من خلال تقديم التايورات المكونة من قطعتين، يكون فيها الجزء العلوي ضيقاً مع التنورة المبطنة والتي تحدد شكل الخصر بشكل مثالي ولافت. فعُين كاردان رئيساً للاتلييه وأصبح اسمه أشهر من نار على علم في عالمي الأزياء والموضة.
لم يكتف المصمم الشاب بهذا القدر من الشهرة بل كان طموحه أكبر بكثير، ففي عام 1950 أعلن كاردان عن العمل وحده ايذانا بإطلاق علامته التجارية التي تحمل اسمه ليبدأ فصلاً جديداً من حياته ونجاحاته التي استمرت حتى التاسع والعشرين من ديسمبر الماضي.
بدأ كاردان الذي لم يكن قد تجاوز الـ 29 من عمره آنذاك في العمل وحده، حيث كانت البداية في العام 1951 من خلال تصميمه لـ 30 زيا لأعضاء حزب القرن، وذلك لارتدائها في الحفلة التنكرية الخاصة بكارلوس دي بيستيجو أحد أثرياء أوروبا في ذلك الوقت والتي أقامها في قصره الخاص بمدينة فينيسيا ومع الوقت ذاع صيته كأفضل مصمم للبذلات الرجالية.

عام 1959 أطلق أول مجموعة أزياء نسائية جاهزة لتكون نقلة نوعية في عالم الأزياء والموضة

استمر نجاح كاردان وإبداعاته المتلاحقة حتى عام 1959 حيث أطلق أول مجموعة من الأزياء النسائية الجاهزة لتكون بمثابة نقلة نوعية في عالم الأزياء والموضة، فحتى ذلك الوقت كانت التصميمات والأزياء تقدم فقط من خلال عروض بسيطة للاوت كوتور تخصص لسليلات العائلات الثرية من الطبقات المخملية وهو ما غيره كاردان بتلك المجموعة التي عرضت في محال تجارية وأصبحت متاحة للجميع.
بعدها بعام عمم المصمم الفكرة وطرح تشكيلة من الأزياء الجاهزة الرجالية التي لاقت رواجا كبيرا في فرنسا وبعض الدول الأوروبية القريبة من العاصمة باريس.

أول من قدم الأزياء المستلهمة من ملابس رواد الفضاء

كاردان ينقل أزياء الفضاء إلى الأرض
لم تتوقف إبداعات ونجاحات كاردان عند هذا الحد بل انه أحدث ثورة جديدة في مجاله وذلك بإضافة الاطلالة المستلهمة من (العصر الفضائي) إلى قاموس الأزياء العالمي، ففي منتصف الستينيات من القرن الماضي أطلق المصمم تشكلية من الأزياء المستوحاة من ملابس رواد الفضاء مع إضافة لمساته الخلاقة وأفكاره التي حلقت في الفضاء لتأتى بتصميمات أصابت العالم بالدهشة والذهول ليس فقط بسبب الموديلات الغريبة على ذلك الوقت، بل أيضا من حيث الخامات المستخدمة فيها.
في عام 1963 صمم كاردان تشكيلة من ملابس فريق البيتلز الغنائي وهو ما أحدث نقلة نوعية في مسيرته المهنية زاد منها ارتداء جميلات السينما العالمية في الستينيات والسبعينيات من تصميماته وعلى الاخص جميلة جميلات هوليوود راكيل والش التي أبهرت العالم بإطلالتها مرتدية تنورة قصيرة من خامة الفنيل اللامع.

أول من أدخل موضة الفساتين المنفوخة في قاموس الأزياء النسائية

في نفس العام زار المصمم الراحل الاتحاد السوفييتي للمرة الأولى وليست الأخيرة، حيث فتح أسواقا كبيرة في آسيا وقدم الكثير من عروض الأزياء في الكثير من مدنها من بينها موسكو وبكين وطوكيو، بل كانت عروضه الأكبر والأكثر إبهارا والأعلى من حيث نسب الحضور.
استمر المصمم في توسيع دائرة توزيع منتجاته حيث افتتح أول متجر خاص بالأزياء الجاهزة النسائية أطلق عليه اسم Eve ومتجرا آخر للأزياء الجاهزة الرجالية تحت اسم Adam.
لم تتوقف طموحاته عند حد الأزياء فقط بل طوّر مفهوم التراخيص ليضم إلى علامته التجارية منتجات أخرى منها التابع للأزياء كالجلود والإكسسوارات والنظارات الشمسية والمجوهرات والعطور ومنها ما هو بعيد كل البعد عن هذا المجال كصناعة ورق الجدران، السيجار، المياه المعدنيّة، المنسوجات المنزلية بل انه وصل إلى تصميم أواني المائدة. وهذا ما جعل اسمه يصل إلى مئات الدول ويظهر كتوقيع على أدوات متنوّعة.
ولم ينس كاردان أن يضع اسمه في عالم المطاعم حيث أصبح في بداية الثمانينيات مالكا لمطعم
Maxim’s الشهير.
أيضا طالت علامة بيير كاردان عالم الفنون بكل أشكاله، حيث أسس في العام 1970 تجمّعاً للرسامين والنحاتين والمخرجين لتطوير كل تلك المهن بشكل علمي مدروس وحل مشاكلهم المهنية، وفى العام 2006 أنشأ متحفاً خاص بأعماله حمل اسم (ماض – حاضر – مستقبل) يؤرّخ فيه شغفه بالتصميم من خلال عرض 200 قطعة من الأزياء الفاخرة والأثاث التي تحمل توقيعه.

ومن أبرز تعليقات المصمم المأثورة عن تنوع منتجاته التجارية التي عارضها الكثيرون:
لقد استطعت بمفردي ودون أي تمويل، أو مصرف، أو مستشارين أن أنجح في تحويل دار أزيائي إلى علامة ناجحة وتحقق أرباحاً مهمة في وقت اضطرت فيه أسماء كبيرة في مجال الموضة للانضمام إلى تجمّعات للعلامات الفاخرة كي تضمن تحقيق استمراريتها.
ويعتبر المصمم الراحل من أبرز وأشهر 5 شخصيات فرنسية خارج فرنسا إلى جانب شارل ديغول، حيث يعمل لدى دار أزيائه شركات تمثيل في أكثر من 100 دولة، ولكن يبقى للاتحاد السوفييتي المكانة الكبرى في قلب كاردان، حيث قام بزيارتها أكثر من 30 مرة وحصل عام 2013 على وسام الصداقة الروسي، لمساهمته في تعزيز العلاقات الروسية – الفرنسية.
كما كان له الكثير من المساهمات مع أكبر المسارح السوفييتية في الستينيات حيث صمم أزياء متنوعة للعروض السوفييتية المختلفة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: