ثقافة

الأميرة فاطمة إسماعيل ونانا أسماء.. نسـاء تدين لهن الثقافة الإنسانية

إذا عُدنا بالخلف إلى التاريخ القريب للنظر في أعمال النساء اللواتي أثرين الثقافة العربية ربما سيصعُب علينا إحصاء الأسماء، لأننا قد نجد المجهولات أكثر من المعروفات، فالنساء شاركن منذ زمنٍ طويل في إثراء الثقافة وتطويرها رغم النظرة السلبية التي كانت تطاردهن باستمرار. وخلدت كثير من النساء أسماءهن بالاهتمام بالتعليم وسعيهن لنشر المعرفة.. وهذه بعض النماذج لنساء رائدات صارت أسماؤهن مرتبطة حتى اليوم بالتعليم والثقافة:

 

انطلقت رحلة نانا أسماء في نشر التعليم بإقامة الحلقات لتعليم النساء القراءة والكتابة والأعمال المختلفة مثل طحن الحبوب والأعمال اليدوية

 

نانا أسماء.. تعليم النساء في غرب إفريقيا

 

ولدت نانا أسماء في “صكتو” بشمال نيجيريا الحالية في غرب أفريقيا، وهي ابنة الشيخ عثمان بن محمد فودي الذي كان عالمًا وشيخًا جليلًا، فورِثت عن أبيها حب العلم. والذي حرص في وقت مبكر على تعليم أولاده فتيانًا وفتيات دون تفرقة بينهم، وهو ما جعلها تعي منذ سنٍ صغيرة أن التعليم حق للفتيات كما للفتيان. وكانت نانا حافظة للقرآن، كما تعلمت القراءة والكتابة ودرست العلوم الإنسانية. ثم تزوجت في عمر الرابعة عشرة وأنجبت أول ستة أبناء في عمر العشرين لكن ذلك لم يمنعها من مواصلة التعلم وبدأ نشاطها في التوعية بحق النساء في تعلم القراءة والكتابة وحرفة تكسبهن معايشهن.

وانطلقت رحلة نانا أسماء في نشر التعليم بإقامة الحلقات لتعليم النساء القراءة والكتابة والأعمال المختلفة مثل طحن الحبوب والأعمال اليدوية، وبعد فترة تزايدت أعداد النساء اللواتي بدأن يقدمن على الالتحاق بحلقات التعليم فوجدت نانا أسماء نفسها غير قادرة على تعليم العدد الكبير الذي يأتيها رغبة في التعلم. ولذا فكرت نانا في تدريب النساء جيدًا على ما تعلمنه، وبعثهن إلى القرى المتفرقة للقضاء على أمية النساء وبدأت مبادرتها في تعليم الفتيات بالانتشار في بلدها حتى أصبحن مثالًا يحتذي به الفتيان أيضًا.

إلى جانب نشاطها في التعليم كانت نانا تكتب الأشعار عن اللغة العربية تسهيلًا لتعلم قواعد الفقه وأساسيات التجويد واللغة، وهي الأشعار التي استخدمت في تعليم الفتيات وصارت منهجًا لهن. كما كتبت ما يزيد على ستين كتابًا سجلت فيها تاريخ منطقتها وأصبحت مستشارة للخليفة وكتبت رسائل إلى أمراء المحافظات تقدم لهم النصح وتقوّم سلوكهم.

هذه الجهود والمهارات التي امتلكتها نانا أسماء كانت محطّ إعجاب لكثيرين من بني قومها، حيث أثارت إعجاب العلماء في “صكتو” وخارجها ومنهم وزير الخلافة والشاعر الوزير جنيد. وأطلق عليها أبناء بلدها بسبب شهرتها وجهودها لقب “سروبير مات” والتي تعني بالعربية “ملكة النساء”.

 

الأميرة فاطمة وصفها الكاتب الفرنسي دي ليون في زفافها بأنها «تتقدم كواحدة من آلهة الأزمنة الماضية وتنثر على جواريها خيرات ذهبية وعلى رأسها تاج من الماس»

 

الأميرة فاطمة بنت إسماعيل.. تتبرع لبناء جامعة القاهرة

 

كانت هي الأميرة التي وصفها الكاتب الفرنسي دي ليون في زفافها بأنها “تتقدم كواحدة من آلهة الأزمنة الماضية وتنثر على جواريها خيرات ذهبية وعلى رأسها تاج من الماس”.. وفي الحقيقة ليست مُحبة لمظاهر الثراء بقدر حبها للعمل الاجتماعي ونشاطها في مجال الأعمال الخيرية، فالأميرة فاطمة إسماعيل التي ولدت في عام 1873 يُنسب لها الفضل في تحويل جامعة القاهرة (التي عُرفت بداية بجامعة فؤاد الأول) من حلم يراود مثقفي عصرها إلى حقيقة.

فبينما كان العمل قائمًا على الجامعة حدثت بعض المشكلات التي كادت توقف المشروع وتقتله في المهد، ولكن كان للأميرة طبيب خاص يدعى محمد علوي باشا وكان مطلعًا على ما تواجهه الجامعة من مشكلات، وفي ذات مرة أخبر الطبيب الأميرة فاطمة عن المشكلات المالية التي تهدد الجامعة، وفي الحال تنازلت الأميرة من أجل إيمانها بالمشروع عن مساحة ستة أفدنة من أراضيها لبناء الحرم الجامعي، كما أوقفت ريع ما يقرب من 3360 فدانًا للإنفاق على مشروع الجامعة، وهو ما ضمِن لها دخلًا مستقرًا ثابتًا.

ولكن مرة أخرى تواجه الجامعة مشكلة في التمويل، فريع الأرض الموقوفة لا يكفي لاستكمال مشروع البناء وتتهدد الجامعة بالانتهاء قبل الابتداء، فتعود الأميرة فاطمة للتبرع للجامعة ولكن هذه المرة ببيع جزء من مجوهراتها في موقف يُدلل على اهتمامها وإيمانها العميق بمشروع الجامعة الجديدة. وتذكر وثائق جامعة القاهرة أن من بين القطع المبيعة عقدًا من الزمرد وسوارا من الألماس وسلسلة تلتف حول المعصم وريشة من الألماس البرلنت.

 

تبرعت بستين فدانًا لبناء جامعة القاهرة..

وباعت مجوهراتها لأجل خروج الجامعة من أزمتها المالية فيما بعد!

 

بهذه الجهود والتبرعات وإيمان الأميرة العميق أُقيمت جامعة القاهرة وصارت حقيقة واقعة، والتي تعد الآن من أعرق جامعات العالم العربي. وتخرج في الجامعة طه حسين وأديب نوبل نجيب محفوظ، والعالمة المصرية سميرة موسى، والسياسي السعودي غازي القصيبي. وحتى الآن لا يزال مدخل مبنى كلية الآداب بجامعة القاهرة يحتوي على عبارات شكر للأميرة منذ بناء الكلية لمجهوداتها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: