تحقيقات

الأطفال النوابغ معاناة مكتومة وطموح بلا حـدّ

هناك عدة مصطلحات للتعبير عن مفهوم «الأطفال النوابغ»، نسميهم أيضا «الأطفال العباقرة أو أصحاب القدرات الفائقة أو أصحاب النضج المبكر أو الموهوبين».

غير أنه قد أُجمع على تعيينهم بذوي القدرات العقلية الفائقة من طرف المختصين والباحثين المعاصرين في ميدان النبوغ الفكري عند الأطفال والبالغين. من الأطفال النوابغ؟ وما خصوصياتهم؟ هذا ما سنتعرف عليه في التحقيق التالي:

 

في البداية يمكن التعرف على الأطفال من أصحاب القدرات العقلية والإدراكية الفائقة من خلال تقييم نفساني يتضمن اختبارا للذكاء وتقييما للشخصية، علما بأن طرق الدراسة والتحليل هذه لم تحظ بعد بإجماع الأوساط العلمية.  يتصف هذا الطفل بسرعة تطويره الفكري التي تفوق بكثير سرعة التطور الفكري عند بقية الأطفال الذين هم من سنه. لا توجد هناك مواصفات خاصة من شأنها أن تدلنا مباشرة على القدرات الفائقة لطفل ما، لكن هناك تلاميذ يتميزون في صفوفهم بمؤهلات خاصة، حيث لا يتميز ذكاؤهم بكميته الأكبر لكن بنوعيته المختلفة، وبالتحديد، يختص تصرف هذه الفئة من الأطفال والتلاميذ بطريقة تفكير وتشغيل للعواطف أكثر شحنة وعمقا.

 

في كل مجتمع ما بين 2 و٪5 من إجمالي عدد السكان لديهم نسبة ذكاء أعلى من المتوسط

عامة يمكننا أن نقول إننا لا نفهم الأطفال النوابغ إلا بنظرة ازدواجية لطريقة تشغيل مؤهلاتهم أي من الناحية الفكرية والعاطفية معا. لا يمكن أن نتوصل الى مساعدتهم على النجاح في دراستهم والتفوق في مشاريعهم وتحقيق أحلامهم باستثمار كل قدراتهم الفكرية والعاطفية الهائلة إلا بالاهتمام بها كلها.

تعتبر طريقة حساب الحاصل الفكري لفيشلر  (باستعمال مجموعة من الاختبارات الموحدة والمعيارية) الوسيلة الوحيدة والمعترف بها عالميا للتأكد من انتماء الطفل إلى طائفة الأطفال النوابغ

هذه الاختبارات عبارة عن قياسات سيكولوجية أو ما يسميه أطباء النفس «السيكوميترية» تخرج بحاصل للذكاء يساوي أو يفوق ١٣٠.

وفقا لتقدير الخبراء، يوجد في كل مجتمع بين ٢ و٥٪ من إجمالي عدد السكان لديهم نسبة ذكاء أعلى من المتوسط المتراوح بين ٨٥ و١١٥. وقد أثبتت العديد من الدراسات أن مستوى الذكاء يرتبط بعوامل وراثية بنحو ٥٠٪ وعوامل بيئية بنسبة ٢٥٪ وعوامل شخصية بنسبة ٢٥٪ المتبقية.

على أقل تقدير، يوجد في كل فصل مدرسي طالب واحد من ذوي القدرات العقلية الفائقة لكن لا يتعرف سوى على أقل من نصفهم.

 

يمكن لأحدهم أن يجد الحل لمعضلة رياضية بكل سهولة ولكنه قد يعجز  عن شرح المنطق الذي اتخده لحل المسألة

هذه الفروق الفردية من الذكاء تجد ما يؤكدها علميا على مستوى خلايا مخ هؤلاء الأشخاص، حيث تكون اللدونة العصبية لأدمغتهم أعلى، كما أن الترابط بين شقي الدماغ تكون أفضل لديهم،

ويمكنهم استخدام مناطق المخ بتواصل أوثق. وهذا ما يجعل هؤلاء الأطفال بالنسبة لأترابهم قادرين على التعامل مع عدد أكبر من المعلومات وبسرعة غير عادية.

على سبيل المثال، يمكن لأحدهم أن يجد الحل لمعضلة رياضية بكل سهولة ولكنه قد يعجز عن شرح المنطق الذي اتخده لحل المسألة.

وبصفة عامة، يقول خبراء علم نفس الطفولة والاخصائيون الاستشاريون في التربية إن هؤلاء الأطفال ليسوا أكثر ذكاءً من غيرهم، لكن لديهم طريقة مختلفة في التفكير تنتج عن الصعوبة التي يتلقونها في التفكير بطريقة خطية.

فهم ينظرون الى الأمور بطريقة ارتباطية وكثيرا ما يقفزون من فكرة الى أخرى فيصعب على غيرهم متابعتهم، مما يخلق لهم بعض المشاكل في دراستهم وفي علاقاتهم مع بعض معلميهم وأوليائهم الذين لا یتفهمون حقيقة أمرهم.

رغم بعض المفارقات من فرد لآخر، نجد أن هناك عوامل مشتركة بين الأطفال النوابغ في تصرفاتهم ومعاملاتهم مع غيرهم ومع الطبيعة والمحيط. فيما يخص قدراتهم المعرفية، فهم يتسمون بسرعة التفاعل والفهم،

بعقل نير وفضول علمي لأسرار الكون وماهيات الأشياء والقدرة على التجريد والتفكير المنطقي والتحليل والتلخيص وقوة الذاكرة، وحب الدقة والبحث عن الحقيقة،

وتفضيل الإشكاليات المعقدة وحب الاختراع والاكتشاف بالتجربة الشخصية وينفر من العمل الروتيني ويتميز بمخيلة غنية ومبتكرة، كلها أكثر تطورا من مثلها عند أترابهم.

 

هم يتميزون بحبهم للمزاح وحاجتهم للحب والعطف من فرط حساسيتهم

أما من ناحية تصرفهم الاجتماعي والعاطفي، فهم يتميزون بحبهم للمزاح وحاجتهم للحب والعطف من فرط حساسيتهم وأيضا لقوة انفعالاتهم العاطفية وحبهم للعمل الجاد كلما أثار أمر ما اهتمامهم

وقوة حواسهم وحدسهم وحبهم لمجالسة من هم أكبر منهم سنا والبالغين ويفضلون العمل والتعلم بمفردهم وبطرقهم الخاصة،

ويتميزون أيضا بملاحظاتهم الدقيقة وبرفضهم لاحترام القوانين التي لا يعطونها معنى وبنظرتهم الثاقبة الواضحة للأشياء، يطلبون تبريرات لتصرفات وأقوال غيرهم،

لا يتحملون حالات الظلم ويثورون عليها، يسيرون بعض الحالات الحياتية بمفومهم الخاص والمفارق، وأيضا، يتميزون أكثر من غيرهم بحاجتهم الماسة للاستقرار والأمن العاطفي.

وإن توافر هؤلاء الأطفال على قدرات عقلية عالية، فهذا لا يعني بالضرورة أن يكونوا أكثر تفوقا بين أقرانهم في الأقسام الدراسية وفي كل المواد. بل على العكس،

بعضهم يمضي دون أن ينتبه اليه أحد وتبقى قدراتهم تشتغل دون مستواها الحقيقي، الأمر الذي من شأنه أن يصعب على المعلمين اكتشافهم أو التنبه إلى أحدهم.

 

وفقاً لتقديرات علماء النفس فإن ثلث الطلاب الذين تفوق أعمارهم العقلية سنهم الزمني يواجهون الفشل في الدراسة

أما فيما يخص تأثير البيئة فنلاحظ أنه في وسط الطبقات الاجتماعية الأكثر فقرا أو الأقل مستوى تعليمي، لا تتوافر للأبوين، في غالب الأحيان،

إمكانات الوصول الى المعلومات ولا يعرفان كيف يتصرفان مع أطفالهما الذين يكثرون من الأسئلة، وفي نفس الوقت، قد يتحفظ الأطفال على قدراتهم خوفا من أن يتسببوا في إحراج آبائهم وأمهاتهم.

إذا كان بعض الأطفال يميل نحو الاختباء في وسط الآخرين، فإن بعضا آخر ينتهج سلوكا شاذا عن المجموع قد يبدو في بعض الأحيان بمظهر الأنانية أو قلة احترام.

ووفقا لتقديرات بعض المدرسين وعلماء النفس فإن ثلث الطلاب، الذين تفوق أعمارهم العقلية سنهم الزمني، يواجهون الفشل في الدراسة،

ومع أن هذا الأمر غير مؤكد بدراسات تجريبية، إلا أنه يبعث على القلق ويثير التساؤل حول محاولة فهم هذه الظاهرة.

يتوقع العديد من الخبراء أن الملل هو الخطر رقم واحد الذي يتهدد هذا النصف من الأطفال، حيث يفتقر هؤلاء التلاميذ إلى المحفزات والدوافع اللازمة،

وشيئا فشيئا يفقدون الرغبة، وعند ذلك، لا يكون العلاج بمزيد من التمارين وإنما يتطلب الأمر قدرا كافيا من الصبر والحوار والمثابرة باقتراح طرق تعليمية إبداعية، وليست المهمة بالسهلة بالنسبة للمعلمين.

ويلاحظ المختصون أن هؤلاء الأطفال يحتاجون الى الاعتراف بخصوصياتهم من طرف معلميهم وذويهم لأنهم يشكون كثيرا في أنفسهم وقدراتهم ويشعرون بالاقصاء

وبالتفرقة بينهم وبين الآخرين مما يحدث لهم أحيانا حالات من التأزم والعقد النفسية والإحباط، خاصة في حالات الإخفاق ذلك من فرط حبهم للكمال وعدم قبولهم للفشل أو التهميش.

 

نتساءل: ماذا يمكن للمدارس أن تعمل جاهدة للنهوض بهؤلاء الأطفال ومساعدتهم؟

لعل المبدأ الأول يتمثل في توفير مواد وطرق تعليمية تناسب الاحتياجات الفردية للطلاب، سواء أكانوا الأكثر صعوبة في التعلم أو أولئك الذين هم أكثر تقدما،

إلا أن هذه النوعية من البيداغوجيا تتعارض مع منطق صياغة المناهج الدراسية التي صممت على مقاس الطلاب متوسطي الذكاء.

لذلك يلجأ بعض الأهالي إلى وضع أبنائهم النوابغ في مدارس تهتم بميزاتهم الفكرية وقدراتهم العقلية وتعرف كيف تستثمرها  بتوفير المناهج والطرق التعليمية المناسبة.

وعادة ما نلاحظ تغييرا مهما في حياة ونتائج الطالب الذي كان يعاني من التهميش أو سوء التفاهم مع بعض أقرانه أو معلميه أو الذي فقد القدرة على التحفيز الذاتي والسعادة في التحصيل والمداومة على فصله.

وإذا لم تتوافر هذه المدارس المتخصصة، فمن الضروري أن يتلقى الطفل أو الطالب الموهوب كل العناية والاهتمام من طرف أوليائه على الأقل بتوفير المستندات

والكتب والألعاب التربوية والنشاطات الثقافية وفرص التعلم والتغدية الفكرية والجسدية والنفسية والروحية لأن هذا الجانب مهم أيضا في حياة كل من ينتمون إلى فئة النوابغ.

 

مستقبل الأطفال النوابغ

هؤلاء الأطفال أصحاب القدرات العقلية الفائقة يكبرون مثل غيرهم من الأطفال ويقتحمون ميادين الدراسات العليا أو التكوين المهني وينصهرون في الحياة المهنية،

يتزوجون وينجبون ويجتهدون لتحقيق أحلامهم ومشاريعهم، لكن غالبا ما تكون مساراتهم المهنية غير خطية ومسالكهم الحياتية صعبة، خاصة أولئك الذين يسميهم الاخصائيون «النوابغ أصحاب الدلالات الشخصية المعقدة»

لعدم التوافق عندهم بين القدرات العقلية والنضج العاطفي النفسي وأيضا، في حالات نسبة الذكاء الكبيرة جدا.

 

أغلب هؤلاء الرجال والنساء من النوابغ يشعرون بالغربة والتهميش في مجتماعتهم وفي أماكن عملهم وحتى بين ذويهم، إذا لم يتوافر لهم الجو الملائم والظروف التي تسمح لهم بالإبداع واستعمال كل قدراتهم لنقل أفكارهم ومشاريعهم إلى أرض الواقع.

 

الموهوبون يجذبون إليهم اهتمام نوع معين من الشخصيات التي تسمى بالنرجسية المناورة الضارة

 

بل وقد يتعرضون للعدوان والغيرة من طرف زملائهم أو غيرهم من الناس. حتى في حياتهم الشخصية والعاطفية، تبين أن هؤلاء الموهوبين المتميزين بتصرفاتهم

وطريقة تشغيلهم لعقولهم ومشاعرهم ومبادئهم معرضون إلى مخاطر في علاقاتهم الشخصية قد تقضي على فرص النجاح في حياتهم، وذلك لأنهم يجذبون إليهم اهتمام نوع معين من الشخصيات التي تسمى بالنرجسية المناورة الضارة narcissistic perverse manipulator.

تعتبر هذه الشخصيات منعدمة الضمير والأخلاق، تتميز بقدرتها الرهيبة على استعمال الكذب والتلاعب بالمشاعر، واستغلال نقاط ضعف غيرها لتحقيق أغراضها الأنانية الخاصة.

تمثل هذه الشخصيات المريضة نحو ٣ إلى ٥٪ من مجموع السكان في كل المجتمعات، وتزداد هذه النسبة في علوها بتطور نمط العيش وانهيار القيم الأخلاقية وتقديس الحياة المادية

وإباحة الاستغلالية والعدوان على كل من يبدو مسالما وسهل العطاء، لدرجة إحصاء بعض المختصين بأن نسبة هؤلاء الناس المختلين إنسانيا تصل إلى ١٠٪ وأننا نجد أغلبهم في المناصب القيادية، في ميدان السياسة والمالية والشركات الكبرى وحتى في مجالات الحياة الومية.

 

الشخصيات المضرة في حياة النوابغ

من جهة أخرى، يصف المختصون هذه الشخصيات بالقوقعة الفارغة لعدم إتمام تكوينها النفسي في سن الطفولة المبكرة (بسبب صدمات نفسية أو إهمال خطير من الأبوين أو عدم تعليم الطفل كيف يحترم غيره ويعرف حدوده…)

مما يؤديها إلى استغلال قدرات ومواهب هؤلاء النوابغ لصالحها بأن تتسلط عليها أو تعمل على إحباطها وتحطيمها، خوفا منها وحسدا من عند أنفسها.

قد تكون هذه الشخصيات المضرة في حياة النوابغ، خاصة في المجتمعات والعائلات التي تضطرب فيها العلاقات الطبيعية بين الآباء والأبناء إلى درجة الضرر بالأبناء من طرف الآباء،

قد تكون زوجا أو زوجة، صديقا حميما أو صديقة، زميلا أو زميلة، رئيسا أو رئيسة في ميدان العمل، أخا أو أختا، قريبا أو قريبة، وفي كل الحالات، نجد شخصا محل ثقة يكيد لهم.

 

الشخص صاحب القدرات الفكرية والعاطفية الفائقة مقيدا كيميائيا

هناك تحد آخر يترقب النوابغ أثناء مسيرتهم في الحياة وفي مواجهة الإشكاليات الخاصة بهم ونظرتهم للحياة والناس وهي تقييم الأطباء النفسيين لشخصياتهم وتصرفاتهم

في حالة لجوئهم إليهم لطلب المساعدة بعد تجارب أليمة من الإحباط والتحطيم المعنوي والظلم لهم من طرف أقرب الناس أحيانا.

فيرى أغلب الأطباء النفسيين الذين لا يعرفون ظاهرة النبوغ الفكري حق المعرفة العلمية بأن هؤلاء الناس المتميزين عن غيرهم مصابون بأمراض عقلية أو اضطرابات في مزاجهم

أو خلل في أدمغتهم ويحرضونهم على أخذ الأدوية التي من شأنها أن تجعل منهم أناسا «عاديين» بعد تعاطي الأدوية المسكنة والمضادة للكآبة ولاستقرار المزاج.

وبالتالي يصبح الشخص صاحب القدرات الفكرية والعاطفية الفائقة مقيدا كيميائيا ويفقد تدريجيا فرص التعبير عن مواهبه والخروج إلى المجتمع بإبداعاته وقد يعيش بقية حياته معزولا ومريضا.

ولعل قصة فان غوخ الرسام الهولندي العبقري الشهير تعبر أحسن التعبير عن هذا الواقع الأليم عندما لا يتلقى الموهوب العبقري كل الدعم والصدق والقبول من حوله

فتكبر مأساته لفرط إحساسه بالناس وبنفسه فييأس وقد يمضي كل حياته في حالة من الخفقان والحزن والتهميش. كذلك كان حال نيتشه الفيلسوف وبودلير الشاعر وغيرهم من عباقرة كل العصور الذين

لم يجدوا في مجتمعاتهم الجو الفكري أو الظروف الملائمة لاستقبال أفكارهم وأعمالهم الإبداعية. وغالبا ما أتى الاعتراف بقيمتهم الفنية أو الروحية أو الفكرية أو الإنسانية بعد وفاتهم.

وخلاصة القول فيما يخص أصحاب القدرات الفائقة هي أنه أكثر ما يحتاجون إليه في كل زمان ومكان هو الاعتراف بهم وبخصوصياتهم وبما يريدون تقديمه لمجتمعاتهم وللإنسانية.

وهذا الاعتراف من شأنه أن يعطيهم أكثر ثقة بأنفسهم وبقدراتهم فيعرفون كيف يتجنبون المخاطر ويعيشون حياة سعيدة وآمنة.

 

 

أسرتي في كل مكان

د. بدرة فكيرة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: