ثقافةعصير الكتب

د.أحمد مشاري حمادة: «الحصني».. شطحات خيالية و«عَصْرنة» لتاريخنا

في لقاء مع مؤلف رواية «الحصني»

لا يعتبر نفسه محترفا لكنه سرد قصة واضحة دون التضحية بدرجة من العمق.. هكذا يصف نفسه الأكاديمي والكاتب الدكتور أحمد مشاري حمادة بعد إصدار روايته الأولى «الحصني».. لكن من يقرأ روايته يجده كاتباً متميزاً متمكناً من أدواته وحبكته الدرامية الروائية.. ومع أنه يرى أن هناك للأسف انطباعا سائدا عن أدب المغامرات أنه يفتقر إلى الحس الأدبي! فإنه روايته تفيض بالحس الأدبي. فرواية «الحصني» فيها شطحات خيالية ثرية وموحية، فهي على حد قوله: «تعصرن» جزءاً من التاريخ وتعيد تخيله، وان الكاتب نتاج عصره ومجتمعه وهو فنان  وليس تربويا.. وقد اعترف اعترافاً أدبياً بأنه قد وزّع نفسه على كل الشخصيات بالرواية وأن أصدقاءه عندما يقرؤون العمل يقولون له إن هذه هي شخصيته! لكن هذا لا يمنع اعتقاده أن هناك فرقاً بين ما يكتبه الكاتب وما يقتنع به، فالأدب عبارة عن تأمل للحياة.. وحول هذه الرواية المتميزة والأولى لدى كاتبها، كان لنا معه هذا اللقاء:

محاولات تعليمية

هل كانت لكم محاولات في كتابة الرواية سبقت رواية الحصني ولماذا لم تنشر؟

– بداية أتوجه بالشكر والتقدير إلى مجلة «أسرتي» العريقة والقائمين عليها، وحقيقة هذه المجلة لعبت دورا حيويا في تنمية المجتمع وواجهة ثقافية للكويت منذ بداية الستينيات سواء على المستوى الأسري أو الاجتماعي أو الإنساني وتربت عليها أجيال كاملة فدورها الإعلامي كان ولا يزال من أهم الأدوار في مجتمعنا الخليجي، أما بالنسبة لرواية «الحصني» فهي عملي الأدبي الأول المنشور بعد رسالة الدكتوراه، وهناك بالطبع مجموعة من المحاولات سبقت هذا العمل واعتبرها محاولات تعليمية لزيادة النضج والتعلم فعندي أعمال أدبية غير منشورة أعتبرها أنصاف أفكار ومشكلتي أنني أتحمس لبعض الأفكار لفترة وأعمل عليها ثم تأخذني فكرة أخرى انجذب إليها وهكذا، لكن في رواية الحصني أشعر بأن العمل كتب نفسه بمعنى أنني كتبت أول خمسين صفحة ثم تقلص دوري بعدما وضعت أبعاد الشخصيات الرئيسة والأساسيات أصبحت الأحداث كأنها تملى عليّ وأنا أكتبها لكن حافظت على شيء من الغموض حتى لا أفقد الإثارة والتشويق لأن القارئ دائما يتوقع الأحداث.

السرد الوصفي

تعتمد لغة السرد لديك على كثير من التفاصيل الدقيقة في وصف المظهر الخارجي والمشاعر الداخلية والبيئة المحيطة بشخصياتك والصور المشبعة بالخيال ألا ترى أن الاستغراق في السرد الوصفي قد يؤثر على قوة الحدث أحيانا ويعوق التدفق المتسارع للأحداث وتتابعها؟

– الأمور التي تتعلق  بالإطناب واستخدام الشرح والوصف تعود إلى الحس الفني للكاتب نفسه وأسلوبه، فمثلا هناك قراء يقرؤون لكتاب بعينهم يهتمون بموسيقى الكلمات والجرس أكثر من الحبكة وتدفق الأحداث، فأنا أحاول الموازنة بين القيمتين قدر ما أستطيع لأني لا  أعتبر نفسي محترفا حتى الآن فأنا كمبتدئ في المجال أردت سرد قصة واضحة دون التضحية بدرجة من العمق الأدبي والشعري وللأسف الانطباع السائد عن أدب المغامرات أنه يفتقر إلى الحس الأدبي ويعتمد على تواتر الأحداث وتدفقها رغم أنى لا أصنف هذا العمل ضمن أدب المغامرات لكن جزءا كبيرا من الحبكة يقوم على المغامرة خاصة في فئة الشباب فمن المهم أن تقدم قيمة إبداعية وأدبية ضمن سياق الأحداث وليس مجرد مغامرات وإثارة فمن وجهة نظري على الكاتب أن يظهر المحيط الخارجي لشخصياته ومدى تفاعلهم مع بعضهم  بعضا وأيضا مدى إشكالاتهم الداخلية فهي عملية موازنة لما تقوم به الشخصيات من حركات وتصرفات وفي نفس الوقت ما تفكر وتشعر فيه فعلى الكاتب أن يعطي القيمة الشعرية للطرح نفسه.

لا يوجد جيل سطحي وآخر عميق فالأجيال مختلفة وتتعايش مع بعضها وهذا ما يميز الكويتيين

 

جمعت بين ثلاثة أجيال في مشهد واحد الجد معتوق والطفل بندر والشاب الأرعن ببنطاله الجينز المقطوع والفتاة الكاسية العارية هل قصدت صراع الأجيال وأن الشباب تفكيرهم سطحي والأمل في جيل الأطفال لاستعادة أصالتنا والحفاظ على هويتنا ضد العولمة والتغريب؟

– لا أبداً ليس الهدف من العمل هو الاستعراض أو طرح قيمة تربوية لأن الأدب والفنون أرى أن هدفهما الأساسي ليس التربية بقدر ما يكون التعبير فالفيلم والمسلسل والكتاب محاولات للتأمل في الحياة ونحن نعيش في زمن الحبكات المفتوحة وكل إنسان يستطيع أن يقرأ العمل ويفهمه بطريقته الخاصة ولم أقصد إسقاط أية أحكام أخلاقية على أي جيل ولا أعتقد أن الجيل الشبابي هو جيل سطحي على العكس فالجد معتوق هو نتاج بيئته وكذلك الشباب فالتفاعل بين الأجيال الثلاثة الجد والشاب والطفل بندر هو الذي خلق حواس الأبطال الخارقين لدى بندر فليس هناك جيل سطحي وجيل عميق فالأجيال ببساطة مختلفة ولا بد من محاولة التواصل والتعايش مع بعضهم بعضا وهذا ما يميز المجتمع الكويتي بشكل عام.

 

الأبطال الخارقون

تعلق بندر بقصص الأبطال الخارقين مثل سوبر مان والرجل الوطواط وغيرهما ألا ترى أن الترويج لمثل هذه النوعية من أبطال الأفلام الأميركية قد يؤثر سلبا على الأطفال والناشئة ويساعدهم على الانفصال عن الواقع؟

– لا أبداً، بندر في هذه الجزئية تحديدا يعتبر انعكاسا لي شخصيا فأنا كبرت على مجموعة كبيرة من هذه الشخصيات كما ترى صورها في مكتبي فلا أعتقد أنها تتعارض مع الانتماء والهوية سواء كنت عربيا أو أفريقيا أو حتى أميركيا فأجمل شيء في الفن أنك تستخلص القيمة الفنية بشكل مجرد بعيدا عن التصنيفات، هذا فن أميركي وهذا عربي فالفن ليس له وطن فانا عشت في الكويت وعشت في أميركا سبع سنوات فأعتبر نفسي مواطنا لديه كمية كبيرة من الثقافات والحمد لله وبدلا من أن ننفر من الشخصيات الخارقة ونقول هذا فن أميركي فمن الممكن نستلهم منها أفكارا ونقوم بتكويتها مثل «الحصني»، وإذا كان هناك وعي أسري ومتابعة للطفل فليس هناك اى ضرر من التعامل مع مثل هذه الشخصيات الخارقة.

«الحصني» فيها شطحات خيالية فهي «تعصرن» جزءاً من التاريخ وتعيد تخيله الواقعية السحرية

أصيب بندر بعاهة مستديمة بعد تقليده لأحد الأبطال الخارقين وأصبح جسده مرتعشا، فكيف يرتدي بدلة الحصني فيصبح خارقا وينقذ الأطفال والناس والتبرير بأن البدلة تمنحه قوة فكرة خيالية وغير مقنعة؟

– ليس كل شيء قابلا للتفسير فالفكرة أنني أردت أخذ القارئ ووضعه مكان بندر، بندر نفسه لم يكن يعرف السبب في القوة التي تتلبسه بمجرد ارتداء زي الحصني، هناك الكثير من الأمور التي لا نعرفها في العقل الإنساني وقيل لي ان بندر يعاني من مرض عضوي وأنت تعامله على أنه مريض  نفسيا ولكن بالنهاية هي رواية ولم أزعم أن أحداثها دقيقة طبيا بالمعنى الحرفي وسمحت لنفسي وأرجو أن يسمح لي القراء باستخدامي  فكرة التلخيص الإبداعي فالمبدع أيا كان قد يثني الحقيقة بشكل ما ليخدم حبكته لكن لا يشوه الواقع فبندر ليس لديه تفسير وأنت أيضا كقارئ ليس لديك تفسير فهذه الجزئية ليست محركا أساسيا للحبكة والرواية بشكل عام فيها شطحات خيالية فهي «تعصرن» جزءا من التاريخ وتعيد تخيله فمن الممكن تقول مثل الواقعية السحرية إلى حد ما فلا تستطيع أن تدقق صحة أو خطأ الخيال المطروح ومدى توافقه مع الواقع، فهذا ليس كتابا علميا ففي الواقعية السحرية مثلا كما يكتب ماركيز الهدف ليس الخيال في حد ذاته، ولكن يكون فيه عمل خيالي حبكته الأساسية تكمن في تعامل الناس مع الخيال واقعيا.

الكاتب نتاج عصره ومجتمعه وهو فنان وليس تربوياً

ساءت العلاقة بين سعود ونورا بعد حادث سقوط بندر «ابنهما» وإصابته واستمر الجفاء سنوات بعد قصة حب هل هي دعوة لعدم التسامح وتجاوز الماضي؟

– كما قلت لم تكن القيمة الأخلاقية هي هدفي من العمل فأنا أعتبر نفسي إنسانا واقعيا وحتى الرواية إذا كان فيها قدر من الخيال فهو لتعزيز واقع معين فالنهايات السعيدة لا توزع على الجميع بالتساوي وهي ليست موجودة لكل الناس في الحياة فالأدب والفن من المفروض أن يستعرضا ما هو كائن أفضل مما يجب أن يكون، والخطورة هنا أن القارئ قد يتساءل لماذا لم يتصالح سعود ونورا ويعيشا حياة سعيدة؟ هل يقصد الكاتب تدمير المجتمع؟ هذه ليست مسؤولية الكاتب، فالكاتب فنان  وليس تربويا ففي السبعينيات بدأت حركة فرنسية في مجال الكتابة تتحدث عن موت المؤلف بمعنى أن الكاتب هو نتاج عصره ومجتمعه ولا يدري أحيانا ماذا يقصد لكن القارئ يقرأ العمل وفى كل جزئية يتساءل ماذا يقصد الكاتب ويحاول أن يدخل إلى نواياه. رولان بارت واحد من أصحاب حركة موت المؤلف يقول المؤلف، مات لا تحاول معرفة نية المؤلف فالمؤلف كاتب فقط وعلى كل قارئ أن يقرأ بطريقته الخاصة بحسب قناعاته وبيئته وخلفياته.

 

رفع سقف الخيال بين فصل وآخر تقطع الأحداث بفلاش باك لتعود إلى الماضي بأحداثه مثل سنة الهدامة وسوق المناخ بحثاً عن أسطورة الحصني الذي يقوم بعمليات إنقاذ في الوقت المناسب ونتساءل كيف يعرف الحصني الأحداث ويتدخل في الأوقات الحرجة، لم يكن هذا مبررا ومنطقيا في السرد؟

– الإيحاء قادم من قصص المجلات المصورة فالرجل الوطواط ينزل في الوقت المناسب لإنقاذ الضحية فإذا تعاملنا بنفس المنطق فسنتساءل كيف عرف الوطواط بالأحداث وتدخل في الوقت المناسب فلا بد من رفع سقف الخيال، هي مجرد محرك للحبكة من الممكن التدخل منطقيا وترتيب إجابات لكن أنا مهتم جدا بفكرة البطل الخارق وقرأت عنها كتبا على الصعيد النفسي والفلسفي والأكاديمي فلو هناك فعلا أبطال خارقون مقنعون يجوبون المدن ليلا فستصبح حياتهم مملة لكن عندما تقرأ قصصهم ستجد فيها إثارة أكثر فالظروف التي وجد فيها الحصني اليوم مختلفة نوعا ما، أصبحت هناك وسائل تواصل اجتماعي والمعلومة تنتقل بسرعة فهذه من الأمور المساعدة فهذا نوع من التدقيق المبالغ فيه ولا يخدم العمل فيصير فيه اتفاق ضمني بين القارئ والكاتب بتجنيب المنطق عن القصة فأنا وزعت نفسي على كل الشخصيات وكذلك أصدقائي عندما يقرؤون العمل يقولون هذه شخصيتي أنا فأضحك.

 

السينما الأميركية الرواية تحمل الكثير من المشاهد السينمائية والمغامرات والمطاردات مما يؤهلها للإنتاج سينمائيا ألا ترى أنك تأثرت بالأفلام الأميركية؟

– هل الأكشن حكر على السينما الأميركية، ليس لدينا عجز إبداعي في إنتاج مشاهد الأكشن، فالمصريون سبقوا العالم العربي في مشاهد الأكشن، أنا مخرج عموما ولدى أعمال سينمائية عرضت على تلفزيون الكويت ودرست المهارات السينمائية، فعندما كتبت قد أكون كتبتها بشكل بصري مبالغ فيه فكنت أتخيل كل مشهد بصريا وربما لا أعرف طريقة أخرى للكتابة فهذا أسلوبي والبعض قال لي هذا العمل مناسب للسينما أو التلفزيون فإذا تحول للسينما أو التلفزيون فسيحتاج إلى تكاليف إنتاجية كبيرة.

أقدّس اللغة العربية ولها حضور كبير في حياتي تعمدت عدم استخدام اللهجة المحلية وبرعت في استخدام اللغة العربية على الرغم من انك تتحدث عن أسطورة محلية لصيقة بالمجتمع الكويتي، لماذا؟

– أنا أقدس اللغة العربية ولها حضور كبير في حياتي، فقد قرأت ودرست باللغة الانجليزية فكان عندي خوف من أن تتلاشى اللغة العربية لديّ فبصرف النظر عن شخصية الكاتب وجنسيته المفروض ما يضحي باللغة العربية وفي نفس الوقت تضمن أن العمل سيستقبله كل القراء العرب فنجيب محفوظ تحدث عن أدق تفاصيل الحارة المصرية باللغة العربية وطبعا لا أقصد المقارنة مع هذا العملاق لكن أقصد أن اللغة العربية تثري المحلية.

هناك فرق بين ما يكتبه الكاتب وما يقتنع به فالأدب عبارة عن تأمل للحياة

استخدمت بعض الإشارات والجمل الإباحية مثل بندر يقرأ مجلات البلاي بوي وغيرها.. الم يكن بالإمكان أداء نفس المعاني بعيدا عن الإباحية؟

– هناك فرق بين ما يكتبه الكاتب وما يقتنع به، فالأدب عبارة عن تأمل للحياة وهذه النماذج موجودة في حياتنا، وقد يكون هذا جزءا كبيرا من حياة الشباب لا أقصد التعميم ولكن عندما ننكر وجود هذه النماذج في المجتمع لن نساعد أنفسنا في إصلاح المشاكل، في النهاية من الممكن ان تختلف مع شخص لكن تتقبل وجوده في حدود الأخلاقية الاجتماعية فبندر يمثل شريحة من الشباب فكونه يخطئ، فليس معنى هذا انه سيئ، فعلينا أن نحكم على الإنسان والمجتمع بشكل عام وليس من خلال هذه الجزئية فمن الممكن أستخدم ألفاظا أخرى لكن هذا لا يخدم العمل فهذا تجسيد لوجه معين من الواقع ولا أثني عليه بل أرصده وأصوره فليس من حقي التدخل في الواقع فأنا أستعرض المجتمع بصالحه وطالحه.

 

رفضت أسرة دانة السنية تزويجها من علي الشيعي كما مات راجو سينغ في حادث بعد أن استقدمه تاجر إقامات وهروب الشاب المدلل بعد الحادث، فهل أردت إدانة هذه العادات وإلى أي حد يمكن أن يؤثر الأدب الروائي ويتفاعل مع قضايا المجتمع؟

– نعم كانت لدي رغبة مباشرة في إدانة بعض الممارسات الاجتماعية لأنه لا يضر المجتمع أن يتعايش ويتناغم بين طوائفه وأعراقه وبالنسبة لتفاعل الأدب الروائي مع المجتمع نتمنى وعلينا أن ننتظر ونقيس ونلمس مدى هذا التفاعل.

وقوع مثل هذه الأحداث الحساسة تذكرنا بنسيجنا نحن ككويتيين، وهذا لا يقتصر على الكويت فقط، ولكن على المجتمعات بشكل عام، وأردت أن اذكر المجتمع الكويتي بنسيجنا وتوحدنا وتلاحمنا فالأصدقاء الأربعة كانوا يمثلون شرائح مختلفة من المجتمع الكويتي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق