تحقيقات

آباء حائرون لإيقاف سلوكيات الأبناء السيئة

النجار: لسان حال الابن للأب «أرجوك.. لا تنصحني بل ألهمني»!

تمثل العلاقة بين الآباء والأبناء مشكلة تؤرق كل بيت وتشغل بال خبراء التربية عبر العصور، ومع التطور التكنولوجي ودخول أفكار مختلفة وثقافات متعددة على أبنائنا في أعمار مبكرة ازدادت الفجوة بين جيل تربى على قيم وآداب أكثر التزاماً وجيل انفتح على العالم بقيمه المختلفة فكانت المشكلة التي بحث فيها الخبراء للتوصل إلى حلول تربوية ترضي الطرفين وتساهم في العملية التربوية بشكل فعال.

 

ستصبح العلاقة أقوى بيننا وبين أبنائنا عندما نظهر احتراماً لمحاولاتهم في اختيار وتقرير ما يحلو لهم

 

في هذا الصدد، تقول استشاري تطوير الشخصية دكتورة سحر النجار:

أجاهد نفسي في كل مرة يركب معي والدي سيارتي لقبول نصائحه (اخفضي السرعة – لا تتخطي من اليمين – احذري المطب الصناعي..)، وأنا أجاوبه بنفاد صبر حاضر يا أبي، على الرغم من علمي أن سلوكي في القيادة يتسم بالتهور، وذلك يرجع لكون يومي يعج بالمسؤوليات، فأنا أم وزوجة وأستاذة جامعية وأدير عملي الخاص في التدريب، ولكن في حقيقة الأمر أنا أتقبل النصائح بمنتهى الضيق ولسان حالي يقول: أنا أعرف كل شيء أرجوك اتركني أقود بطريقتي.. أقول هذا وأنا أدعي أني ابنة بارة بوالدي وكبيرة بالقدر الذي يؤهلني لقبول النصيحة، لكن بداخلي شيئًا يرفضها.

وتستدرك النجار:

المؤسف في الأمر.. أن معظمنا هذا الرجل فما بالك بأطفالنا ومراهقينا؟

أنا أكبر منك.. أنا عشت هذه التجارب من قبل.. أنا لدي خبرة في هذا الموضوع أكثر منك.. والعديد من افتتاحيات المحادثات التي يغلقها الطفل أو المراهق في عقله قبل أن يستمع إليها.

تخيل أنك شخص راشد، وفي عملك يقول لك مديرك: اسمع نصيحتي أنا أقول ما فيه مصلحتك، كف عن إعطاء مقترحات لتحسين الأمور هنا، قم بعملك فقط، أنا لا أريد أفكارك أريدك أن تنفذ ما أقوله فقط، ماذا سيكون شعورك نحو هذا المدير؟ بالطبع نحن لا نريد أن يشعر أبناؤنا تجاهنا بهذه المشاعر السلبية.. لذلك اسمحي لي بأن أطرح سؤالاً علينا عند الكبار: ما العيب في أن يخطئ الأبناء؟ ما الخطر في أن يختاروا أكلهم وشربهم وملبسهم وأصدقاءهم؟

وتؤكد النجار:

ستصبح العلاقة أقوى بيننا وبين أبنائنا عندما نظهر احتراماً لمحاولاتهم في اختيار وتقرير ما يحلو لهم، وليكن تدخلنا في أحد الأمرين فقط: عندما يتعلق الاختيار بالعقيدة والشريعة والدين، وعندما يعرض اختيارهم حياتهم للخطر.

 

أسلوب النصح المباشر

لا يؤتي ثماره التي نتمناها

 

أحد الأسباب الرئيسية للسلوك السيئ هو الشعور بفقدان السيطرة والإحباط المفرط هل للنصح أضرار؟

ربما يعتقد الآباء والمربون أن النصح هو أسلم وأقصر الطرق للحصول على السلوك الذي يرغبون في أن يحصلوا عليه من الأبناء، ولكن الأبحاث العلمية أثبتت عكس ذلك فأسلوب النصح المباشر لا يؤتي ثماره التي نتمناها حسب العالمين ريتشارد ثيلر وكاس سنستين ولكن بدلاً منه استخدم التلميح الذكي والإيجابية، فمثلاً إذا أردت أن يرتب ابنك غرفته فلا تأمره أو تنصحه بترتيبها، والأفضل أن تخبره أنك كنت مسروراً جداً آخر مرة رأيت غرفته مرتبة، وبدلاً من أن تنصحي ابنتك بغسيل أسنانها قبل النوم، أخبريها أنك رأيت ابنة جارتكم اليوم وكيف كانت جميلة لأن أسنانها كانت بيضاء وناصعة، وهناك الكثير من الأمثلة التي توضح أن النصح المباشر لا يعضد مفهوم الثقة بالنفس ويضعف الإيمان بالقدرة على تحمل المسؤولية لدى الأبناء، وقد أكدت هذا الكلام الكاتبة كات كيلي في كتابها «دليل الآباء الحائرين لإيقاف سلوكيات الطفل السيئة»، 
لأن أحد الأسباب الرئيسية للسلوك السيئ هو الشعور بفقدان السيطرة وهو الشعور الذي يسببه الإحباط المفرط، في حين أن الدراسات سجلت بعض الملاحظات الإيجابية على الأطفال الذين حققوا شعوراً بالسيطرة وضبط النفس كالآتي:

  • لقد أتيحت للواحد منهم فرصة الاختيار في حياته (الأب: هل تفضل أن ترتدي القميص الأزرق أم الأحمر).
  • يتحمل بعض المسؤوليات الخاصة بنفسه، ومن ثم بعض المسؤوليات الخاصة بالمنزل.
  • يكتسب القدرة على حل المشكلات البسيطة وفقاً لسنه.

هل هناك نصائح عند تقديم النصيحة؟

نعم، لنهتم بتغيير أقوى وأعمق من تغيير أبنائنا، ألا وهو تغيير أنفسنا والتوقف عن لعب دور الضحية وتحمل مسؤولية الأخطاء التي نراها في أبنائنا، فابني ليس كسولاً، ولكني لم أبذل الجهد الكافي لإلهامه السلوك الذي أتمناه، وابني ليس مبتذلاً لكني لم أتحقق من أصدقائه المقربين، وابني ليس غبياً فأنا لم أدربه على استراتيجيات المذاكرة الفعالة.

ولنتذكر أن الخطأ ليس في أطفالك، بل الخطأ دوماً في سلوكهم.

ولكل أب وأم: إياك والصياح؛ فهو أقصر الطرق لإنهاء محادثة فعالة بطريقة غير فعالة، فاستبدله بنبرة أكثر هدوءاً.

كل ما نحتاج إليه بعض الحذر أثناء التحدث مع أبنائنا وكل كلمة نقولها تؤثر فيهم سلباً أو إيجاباً

 

في رأيك ما الذي يحفز سلوك المراهقين؟

الذي يحفز سلوك الكثيرين، مراهقين وغير مراهقين هي المشاعر، سواء كانت سلبية أو إيجابية، فكثيراً ما تسيطر مشاعرنا نحن البالغين على المنطق، ولكن بخبرتنا نستطيع الإمساك بزمام الأمور، الأمر الذي يفتقده المراهقون، فكل الطلاب يدركون أهمية الجد والاجتهاد في الدراسة ولكنهم لا يفعلون لأنهم لا يشعرون برغبة في ذلك، فلدى المراهقين قاعدة تنص على أن المشاعر أولاً والمنطق ثانياً.. وبالتالي: فما أكثر المشاعر التي تحرك أبناءنا؟

إنها الحاجة إلى الشعور بالحب والقبول، الحاجة إلى الشعور بالأهمية والتقدير، الحاجة إلى الشعور بالاستقلالية، فمن خلال هذه المشاعر نستطيع تحفيز السلوك الذي نريد مع أولادنا.

وبالتالي لا بد لنا أن نبحث كيف نحفز مشاعرهم لكي يقوموا بشيء ما وليس من خلال الحديث عن الواجب والمفروض،  لذلك ابتكر رائد الأعمال السنغافوري (آدم كو) مصطلح الحقيقة الكاملة لحل كل مشكلات الحوار بين الأبناء والآباء وينصح كو بالتركيز على 8 نقاط يوضحها الأب لنفسه أولاً ثم لابنه:

  • ء أنا أشعر بالغضب بسبب.. (لأني وجدتك تلعب الآن في حين يجب عمل واجباتك المدرسية).
  •  أنا أشعر بالألم.. (لأنني يجب أن أطلب منك ترك شيء تحبه).
  •  أنا أشعر بالخوف من.. (ارتباطك الكبير باللعب سوف يفقدك احترام مدرسيك).
  •  كل ما أردته لك يوماً هو.. (أن أراك ناجحاً ومتميزاً).
  •  أنا أفهم.. (المعاناة التي تعانيها من حرمانك من اللعب).
  •  أنا أقدّر.. (شعورك بالمسؤولية تجاه نفسك وتجاه أسرتك بالحرص على مصلحتك).
  •  أنا أسامحك.. (على الوقت الذي أضعته بدون مذاكرة).
  •  أنا أحبك.. (لأنك ابني).

وتواصل النجار: كل ما نحتاج إليه كآباء هو بعض الحذر أثناء التحدث مع أبنائنا، فكل كلمة نقولها لا بد أن ندرك كم هي مؤثرة فيهم، إما سلباً أو إيجاباً. وتذكر أيها الأب دائماً أن تنهر السلوك وليس الشخص، وأن تكون محدداً فيما تنهر ابنك المراهق بشأنه، فإذا أطلقت اتهامات مبهمة، فسيبدو كأنك في حالة مزاجية سيئة ولا تهتم فعلياً بما هو الأفضل له!

نسرين خورشيد

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق