حياتنا أحلي

السعادة وأخواتها.. المسامحة والرحمة والتعاطف

السعادة وأخواتها.. المسامحة والرحمة  والتعاطف

صفات كثيرة يمكنها أن تمنحك الرضا عن حياتك وعن نفسك وأن تستمتع بالسكينة والسلام الداخلي.. ومن أهم تلك الصفات المسامحة، والرحمة، والتعاطف.. وهي قيم ثمينة نحتاج اليها أشد الاحتياج في هذه الأيام..لما لها دور أساسي في السلام مع النفس والسلام مع الآخرين، وفي التمتع بحياة هادئة مثمرة على المستوى الروحاني والنفسي والاجتماعي.

المسامحة تحررنا من الماضي وتُطلق سراحنا نحو الحاضر والمستقبل

المسامحة هي الحل الأمثل لبعض المشاكل التي تواجهنا مع أنفسنا أو مع الآخرين، وذلك لأنها تمكننا من أن نتحرر من الماضي وتطلق سراحنا نحو الحاضر والمستقبل..فهي تساعدنا مساعدة قوية وحاسمة على أن نقطع جميع الخيوط السلبية مع الماضي التي تربطنا به نفسياً وروحانياً.. وتلك الخيوط هي بعض المشاعر كالندم والحزن والألم والخوف أو الشعور بالذنب ولوم الآخرين والغصب من الاساءة التي وُجهت إلينا، والرغبة في الانتقام أو رد الإساءة..إلى جانب الرغبة في رد الاعتبار لذواتنا التي تعرضت للإهانة من قبل الشخص المسيء إلينا.. وجميعها تنشأ داخلنا لعدم مسامحة الآخرين على أخطاء ارتكبت في الماضي وجعلتنا أسرى لها. ولكي نصل إلى تحقيق المسامحة، علينا أولاً أن نعلم أنّ الحب هو الوسيلة الوحيدة لمداواة أنفسنا، وهو الشعور الوحيد القادر على دفعنا إلى مسامحة الآخرين.  فإن شعرنا بأننا مكبلون وغير قادرين على التقدم للأمام، فهذا يعني أننا نحتاج إلى المزيد من المسامحة حتى نقطع جميع الخيوط السلبية مع الماضي. وذلك كما تؤكد ذلك لويز هاي في كتابها الشهير You can heal your life.

لكن المسامحة ليست عملية سهلة..فيجب علينا أن نعترف أن مسامحة الآخرين تتطلب قوة النعمة الربانية ونقاء الإيمان وجمال الصبر وحكمة التواضع، والخضوع المتبادل للقيم الروحية السامية، مع ضرورة توافر عنصر الوقت.. ولكن المسامحة ممكنة وتتحقق على أرض الواقع.. فقط عندما تتحول إلى قرار من داخلنا يجب تحقيقه على أرض الواقع.

لكن المسامحة لا تعني عودة الثقة القديمة كما كانت، بل تحتاج الى وقت وأفعال على أرض الواقع من الطرف الذي فقد ثقتنا فيه كي تعود إليه مرة أخرى. كمان أن المسامحة تقتضي العدل، أي رد ما سُلب منا من قبل الطرف الآخر، سواء كانت أموراً مادية أو معنوية نفسية أو كرامة أو صورة اجتماعية لنا تشوهت. لكن المسامحة تعتبر انتصارا للقيم الضرورية للصحة النفسية..فعندما نتسامح مع الآخرين ولا نحمل داخلنا أحمالا نفسية ثقيلة، فإن قيم مثل المحبة والتعاون والسلام تتحول إلى قوى حقيقية نستند إليها داخلنا.

الرحمة.. سكينة داخلية وصحة نفسية

معنى الرَّحمة لغوياً رقَّ له وتعطّف عليه، أي الرقة والعطف والرأفة.. إن الرحمة ليست مجرد مصطلح ديني أو أخلاقي، ولكنها حقيقة نفسية تحول حياتنا روحانيًا وإنسانيًا أي تغيرها للأفضل. فالدراسات النفسية والاجتماعية أصبحت تدعم بشكل متزايد حقيقة أن الحياة الأخلاقية والروحانية السليمة هي مفتاح حياة سعيدة ومزدهرة.. ومن تلك الأخلاقيات أو الصفات المهمة الرحمة، وبالتالي فعندما نمارس الرحمة مع الآخرين وللآخرين نكتسب نحن صحة نفسية وسكينة داخلية..كما أننا نمنح بتلك الرحمة للآخرين سلاماً وسكينة بعد الانزعاج والخوف والقلق.. فالمحتاجون إلى الرحمة كما يؤكد المعالجون النفسيون غالبًا ما يشعرون بالقلق من ظروفهم أو يصبحون عبيداً للذنب. لكن بمجرد أن يتلقفوا الرحمة منا تنفرج ضيقتهم أيا كانت نوعيتها..وكأننا ساهمنا في إطلاق سراحهم من ضيقاتهم بطريقة نفسية صحية للغاية، الأمر الذي ينعكس علينا نحن أولاً، حيث نشعر بسعادة غامرة بإطلاق سراح كل من يحتاج الى الرحمة وسط الخوف والقسوة والقلق. الرحمة فعل نور ومحبة..فهي تعني اعطاء فرصة جديدة للآخرين، فرصة حياة، وفرصة قبول لهم رغم ظروفهم، وفرصة دعم وتعضيد ومساندة لبشر مثلنا، واللافت أن مانح الرحمة بهذه المعاني السامية الايجابية يتلقى هو أيضا الدعم والفرص من واهب الحياة.

التعاطف.. جسر المحبة

التعاطف هو الشفقة المتفهمة والاهتمام بمعاناة  أو مصائب الآخرين.. هي الاحساس باحاسيس المتضايقين والذين في أزمة أو معاناة.. بالاحاسيس نفسها..هو مشاركة المشاعر وكأننا في الموقف نفسه الذي لدى الآخرين..هو القدرة على الاستيعاب والفهم والتجاوب مع تجارب الأشخاص، من خلال التعاطف مع أفكارهم مما يشجع التواصل وبناء الصلة معهم.. وبالتالي التعاطف هو جسر المحبة الذي بواسطته نعبر إلى عالم الآخرين بكل ما فيه من مشاعر معاناة.

ولكن كيف أتعاطف مع الآخرين؟ كيف أمد الجسور- جسور المحبة- إليهم وإلى عالمهم؟

يبدأ التعاطف الحقيقي بقراءة مشاعر الآخرين، من خلال تصرفاتهم وتعابير وجوههم ولغة أجسادهم.. مع إشعارهم بذلك من خلال التعبير بالكلمات.. أو حتى التعبير بلغة الجسد أيضاً..كذلك هناك ضرورة لتفهم هذه المشاعر واحترامها وعدم اللوم عليها أو لها، أو الاعتراض عليها، مع التأكيد على الفهم لهم بأننا مدركون تماماً ما يمرون به. أيضا من اساسيات التعاطف الحقيقي الإيجابي مع الآخرين تركهم يتحدثون بإسهاب للتعبير عما في داخلهم دون التسرع في الحكم أو الإدانة لهم أو التبرع بنصائح متسرعة لهم.. فآخر ما يحتاج إليه الشخص المتألم هو توجيه النصائح له! لكن علينا أن نسمعه بكل انتباه فكل شخص يحتاج لأن تُحترم مشاعره.

ولكن التعاطف له حدود.. فهو صحيح الانتقال إلى العالم الداخلي للشخص الآخر ودعمه بكل السبل، فما حدوده؟

أنا أتعاطف مع الشخص الآخر بمشاركته المشاعر ولكن من دون الهدر للطاقة الكاملة لي، مع مراعة عدم انتقال طاقته السلبية إليّ.. إلى جانب توخي الحذر من الدخول  في حالته بالكامل.. فأنا أتعاطف مع الحالات،  ولكن لا  أعيشها بالكامل..أتعاطف معها، ولكن لا أسمح لها بأن تقتحم حياتي وتسرق ما فيها من وقت وجهد احتاج إليهما..أتعاطف ولكن بدون أن أستغرق في عالم الآخر إلى حد أن أغرق فيه!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق