تحقيقات

ثاني مأذونة مصرية: تعرضت لحرب غير شريفة من زملائي الرجال

اعتدنا في كلاسيكيات الدراما المصرية على شكل «المأذون» التقليدي بالجبة والقفطان والأداء الذي يغلب عليه الطابع الكوميدي، وحاليًا أضحت هيئة المأذون في كثير من الأماكن ذات طابع عصري، لكن مازالت تجربة المرأة المصرية «مأذونة» غريبة ومثيرة للاهتمام والدهشة وربما الاستنكار.. ولهذا التقينا د.دعاء نبوي القشلاني، ثاني سيدة مصرية تعمل مأذونة على مستوى الجمهورية، التي أكدت لـ«أسرتي» أنها وعلى النقيض من المأذونين الرجال تسعى للصلح بين الزوجين في حالة قررا الطلاق، وتبذل في سبيل ذلك كل ما بوسعها.. إلى نص الحوار:

مغالاة بعض المأذونين ماديًّا دفعت بعض الشباب إلى الزواج العرفي!

ثاني مأذونة مصرية.. هل هي الرغبة في التميز التي دفعتك للعمل كمأذونة؟
– لم يكن لدي أي دافع لأكون مأذونة سوى أن أؤدي عملي بمنتهى الإخلاص كما هو الحال في أية مهنة أخرى مثل الطبيبة والمهندسة والمدرسة والصحافية وغيرها، المختلف في الأمر بالنسبة لعملي أن زملاء المهنة من الرجال غير متقبلين وجودي كمأذونة، إلا أنني أرى في نفسي مقومات مهنية لا تقل عن أي زميل رجل، بل أستطيع أن أفوقه في كثير من المواقف، لاسيما أن لدي ما يميزني عن المأذون الرجل ويجعلني أتفوق عليه.
ذكرت أنك تفوقين الرجل في المهنة.. كيف؟
– بالطبع، ففي حالات الطلاق لا يحاول الزملاء الرجال أن يوفقوا ويصلحوا بين الزوجين، بل يبادرون بإتمام الطلاق لما في ذلك من منفعة مالية لهم، بينما أحاول أنا الصلح بين الزوجين، وسبق لي أن حضرت عقد طلاق، قبل أن أكون مأذونة ولم أجد أي مأذون ينصح الزوجين، ويسعى للتوفيق بينهما، لهذا إذا اضطررت إلى حالة طلاق فإنني أتدخل بالنصح وأحاول أن أتناقش معهما حول أسباب الخلاف ومحاولة إزالتها، ولا ألجأ إلى إتمام الطلاق إلا بعد استنفاد كل سبل الصلح والتوفيق.
هل تشعرين بالمنافسة مع المأذون الرجل؟
– ليست منافسة، فليس هناك فرق بيني وبين الرجل، مادمت أؤدي العمل نفسه، ولم أتقدم للوظيفة كمجرد مهنة فقط، لكن كان هناك دافع آخر وهو أنني لم أجد مأذونا يتدخل للصلح في حالات الطلاق، علاوة على عدم مراعاة الظروف المادية للعروسين، حتى ان بعض الشباب يلجؤون للزواج العرفي بسبب مغالاة بعض المأذونين ماديًا، فكان الشعور بغير القادرين أحد دوافع عملي بهذه المهنة.
ما المختلف بين الرجل والمرأة في العمل كمأذونة؟
– أشعر بالحرية في مناقشة المرأة، في مشاكلها، فهي لا تجد أي حرج في إخباري بأي شيء، كما أنني أحاول أن أصلح وأتحدث معها في حالات الطلاق، فنحو نصف حالات الطلاق التي دعيت إليها لم تتم، بسبب مناقشتي للطرفين وتدخلي بينهما للصلح، وزوجي يساعدني في ذلك حيث يحاول إقناع الزوج الراغب في الطلاق بينما أتولى أنا أمر إقناع الزوجة بالعدول عنه.
وما المميزات بالنسبة للمرأة في هذه المهنة؟
– من أهمها أن الزوجة تصارحني بأي شيء يخصها وغير محرجة مني مثل تعاملها مع المأذون الرجل، فتتحدث معي بكل صراحة وثقة.
هل بذلك مهنة المأذون أفضل للمرأة من الرجل؟
– بالطبع لا، الأمر يتوقف على من يتقي الله ولا يتعامل معها كمجرد وظيفة، وأن يراعي ظروف الزوجين، أو المطلق، فهناك من لا يهتم بالصلح بين الزوجين في حال أقدما على الطلاق، ويتعامل مع الأمر كوظيفة يؤديها دون النظر إلى شيء آخر.
ما أغرب الحالات التي صادفتك أثناء عملك؟
– تعاملت مع حالتين، لم أكن مقتنعة بزواجهما، لعدم التوافق بينهما تمامًا مع قناعتي بأنهما لن يستمرا في الزواج كثيرًا، وسيحدث بينهما العديد من المشكلات، فتعمدت التحدث مع الزوجة حتى تتريث وتستخير الله قبل الإقدام على هذه الخطوة، وجلسنا 4 ساعات حتى نعقد القران، لكن وربما لضغوط أسرية تم عقد القران، وفوجئت في صباح اليوم التالي بالزوج يتصل بي ويطلب الطلاق، فحاولت الصلح بينهما، إلا أنه طلقها بعد شهرين، وتصالح معها مرة أخرى ثم طلقها بعدها أيضًا.
على أي أساس تحددين أنهما لن يستمرا طويلًا في الزواج؟
– تكون قناعتي بذلك نابعة من ملاحظتي لفارق السن الكبير جدًا بين الزوجين، فقد يصل إلى 40 سنة، وهذا بمثابة ظلم لها، وقد يكون الأمر رغمًا عنها، فأضع نفسي محل الزوجة، وأتخيل أخي بدلًا من الزوج، وهل سيتحمل ذلك الوضع أم لا، فالزواج من أوله لا يوجد فيه توافق.
وهناك حالة أخرى لرجل كان يريد الزواج للمرة الثانية، لوجود مشكلات مع زوجته الأولى، فحاولت إقناعه بالتصالح مع زوجته إلا أنه أصر على الزواج، رغم أنه يحب زوجته الأولى، وبعد الانتهاء من عقد القران، وجدته في الصباح، يتصل بي وهو في حالة انهيار يريد طلاق زوجته الثانية، بعد أن اتصلت به زوجته الأولى وطلبت منه العودة إليه مرة أخرى، وهنا تعرضت الزوجة الثانية للظلم.
منذ متى تمارسين المهنة؟
– منذ أربع سنوات، وكنت ثاني مأذونة على مستوى مصر، وأنا خريجة عام 2005 في كلية الحقوق بجامعة المنوفية، وانتهيت من الماجستير في 2007، وسجلت الدكتوراه، في عام 2008.
ما عملك قبل المأذونة؟
– كنت محامية، وحاصلة على درجة الماجستير في القانون.

لم أواجه رفضًا من المجتمع.. بل من زملاء المهنة

رغم وجود أكثر من مأذونة حاليًا إلا أنه وحتى الآن توجد مطالب بأن تقتصر المهنة على الرجل فقط… فما تعليقك؟
– المأذونة مثلها مثل أية مهنة أخرى، لا فارق بين الرجل والمرأة، ومن يردد ذلك فليس لديه سند ليمنع المرأة من ذلك العمل، بل هناك العديد من الحالات يبحثون عني لعقد قرانهم، ولا يوجد أي استنكار من قبل الناس، والاستنكار من جانب زملاء المهنة فقط، خاصة أن المرأة تكون نسبة تعليمها أعلى عن الرجل، فعند التقديم للوظيفة، كان ينافسني 13مأذوناً، ولدينا 3 مأذونات في الوقت الحالي في نفس محكمة المدينة، وكل مسابقة تدخل فيها المرأة يتم اختيارها.
ما المواصفات التي يجب أن تتوافر في المتقدمة للوظيفة؟
– يجب أن تكون دارسة للشريعة الإسلامية، في تعليمها الجامعي، لمدة أربع سنوات كمادة أساسية، مثل كلية الحقوق، أو خلال دراستها في بعض كليات جامعة الأزهر، ويتم اختيار الشخص ذي الدرجة العلمية الأعلى كالماجستير، والدكتوراه، فكوني حاصلة على الماجستير في القانون، هو ما جعل التوافق على اختياري للعمل كمأذونة، حيث كنت الأعلى في مؤهلي.
وما الخطوات التي تتبعينها حتى تكوني مأذونة؟
– في حالة وفاة أو عزل مأذون، في القرية أو الحي، تعلن المحكمة خلال عدة أشهر، عن مسابقة لطلب مأذون شرعي ومن يرغب فى الوظيفة يتقدم إلى المحكمة، وبعدها تكون المسابقة خلال عدة جلسات مثلها مثل الدعوى فى قضية ما، وتصل إلى عام، وتكون بمثابة حرب بين المتقدمين للوظيفة، خلال تلك الفترة يحاول الجميع ملاحظة أخطاء منافسيه، لإخراجه من المنافسة.. لكني والحمد لله اجتزت كل هذه الخطوات بجدارة.
تطرقت إلى عزل المأذون.. ما الأسباب التي تؤدي إلى ذلك؟
– مخالفة القانون، فهناك حالات الزواج في السن الصغيرة غير القانوني، أو التزوير وزواج بنت ببطاقة مزورة، أو أخرى لم تكمل العدة في حالة طلاقها، فكلها تكون أخطاء قانونية.
بمَ تنصحين أية مأذونة لتكون ناجحة في عملها؟
– مراعاة الله في عملها، وألا تستغل العروسين، مع مراعاة الصلح بين الزوجين في حالات الطلاق، والنظر إلى الأطفال الذين سيظلمون نتيجة ذلك، وعدم الاهتمام كثيرًا بالأجر، وعدم المغالاة فيه، مع النظر إلى الحالات الإنسانية.
وهل متاح أن تعملي في وظيفة أخرى؟
– ممنوع، فالمأذون في حكم الموظف العام لا يحق له العمل في أية وظيفة أخرى، ويجب التفرغ التام.
ما موقف أسرتك أثناء قرارك بالتقديم للوظيفة؟
– والدي كان يشجعني كثيرًا، ولم أجد اعتراض من أسرتي أو أقاربي أو حتى الأهل في المنطقة، وفي الوقت الحالي زوجي يساعدني كثيرًا، خاصة في حالات الطلاق، ويعمل على حل المشكلات بين الراغبين في الطلاق.
وماذا عن موقف الدين من عمل السيدات كمأذونة؟
– الأزهر أصدر فتوى تبيح للمرأة العمل كمأذونة، وكانت بناءً على تقدمي للمشيخة حتى يفيدوني، وتعمدت تقديمها للقاضي، المسؤول عن اختباري أثناء المسابقة وتقدمي للوظيفة، لأنه لم يكن مقتنعًا بقبولي كمأذونة.
وما العقبات التي واجهتك غير رفض القاضي؟
– لم أجد عقبات في التقدم للوظيفة، وحاولت الوصول إلى أول مأذونة في مصر، وحصلت منها على حكم المحكمة في أحقيتها في العمل كمأذونة، وسلمته هي الأخرى إلى القاضي.
من شروط التقدم للوظيفة الحصول على موافقة 10 أشخاص؟ وهل وجدت صعوبة في ذلك؟
– بالعكس وجدت الجميع يشجعني، وقدمت 20 موافقة وليس 10 فقط، والصعوبات كانت في أن جميع المتقدمين للعمل معي كانوا معارضين لي، كوني سيدة، واستمرت المسابقة لمدة عام، وكانوا يجتمعون مع بعضهم ضدي، حتى لا أحصل عليها، فكنا نتداول المسابقة مثل القضية، ووصل الأمر إلى أنهم سعوا لإخراجي من المنافسة بأية طريقة.

زوجي يُساعدني في حالات الطلاق.. وشعرت بالإهانة بسبب حنان ترك

ما أبرز المواقف التي أثارت غضبك؟
– أكثر شيء تسبب في إهانتي، هو مسلسل «نونة المأذونة» الذي قدمته الفنانة حنان ترك، فوصفت نفسها بأنها أول مأذونة، والمسلسل يسيء لأي مأذونة، حيث إن المسلسل معاكس للواقع تمامًا، ولم أكن أتصور أن المخرج يمثل المأذونة بذلك الشكل، خاصة في طريقة تعاملها مع المجتمع، ورقصها وكيفية تعاملها مع من حولها، وطريقة ضحكتها التي تثير الاستياء، فكان المعارضين لي يستغلون المسلسل لتنفير الناس مني، ولكن لم ينجحوا في ذلك، ووجدت أن الناس يحبونني، خاصة أنني كنت أعمل محامية من قبل، ولي خبرة في التعامل مع الناس، وعندما فكرت في ترك المهنة، لمست مدى حزن الناس من حولي.
هل تم الطعن ضدك بعد فوزك بالوظيفة؟
– لا، لم يحدث ذلك.
هل تعقدين القران في المسجد؟
– بل في مكتبي أو منزلي أو منزل أهل العروس، لكن لا أعقد في المسجد حفاظًا على قدسيته إلا إذا كان في قاعة مخصصة لذلك.
هل ستتركين العمل إذا قابلتك صعوبات؟
– أنا أحب عملي كمأذونة، ولن أتركه إلا إذا تفاقمت الصراعات مع زملائي الرجال.
هل تنحازين للزوجة في حالة حدوث مشاكل بين زوجين؟
– بالطبع لا، انحيازي يكون للحق فقط، وأحيانا أنحاز للزوج إذا وجدته مظلومًا، وإذا وجدت زوجا يريد الطلاق غيابيًا، أنتظر حتى أتحدث مع الزوجة، لمحاولة الصلح بينهما.
هل هناك زي مخصص للمأذونة؟
– لا يوجد زي رسمي للعمل، لكن لابد أن يكون مناسبا وألا يهين أو يسيء إلى مهنة المأذون.
هل هناك رابطة أو نقابة لكم؟
– هناك نقابة تحت التأسيس، للمطالبة بحقوقنا والتحدث باسمنا، إلا أن العدد فيها قليل وليست قوية.
ما أهم مطالبك كمأذونة؟
– الطلب الوحيد لجميع زملاء المهنة، هو الحصول على راتب شهري من الدولة، لأن المهنة ليست مجزية، إلا إذا اعتبرها المأذون تجارة واستغل العروسين، وغالى في الأجر، فعلى الدولة معاملتنا كالموظف العام.

إسلام أحمد – القاهرة
دار الإعلام العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق