ثقافةزوايا

حمور زيادة: أكتبُ عن وطــــــــن مهمـوم بخيال طفل يعشق الأساطير

hammour-1

يعترف بأن موهبته صنيعة سيدة عجوز هي جدته، وأن وجدانه الثقافي والإبداعي تشكل نتاج الثراء المعرفي الذي وفره له والده ووالدته.. ومن محيط الوطن الأسمر تشكلت هويته الأدبية وفيه دارت رحى موهبته الإبداعية.. هذا هو الأديب السوداني حمور زيادة الذي استهل حضوره الأدبي من خلال مجموعة قصصية تحمل اسم «سيرة أم درمانية»، تلتها إبداعات رسخت حضوره في المشهد الأدبي العربي، منها رواية «الكونج» ومجموعة «النوم عند قدمي الجبل»، وكذا «شوق الدرويش» التي حصد عنها جائزة نجيب محفوظ لعام 2014.

وكان لنا معه كان هذا الحوار:

 

يمتاز إبداعك بالعمق والإنسانية.. فكيف تكونت رؤيتك وشغفك الأدبي؟

– الحياة مُعلِّمٌ مهم.. لقد كنتُ محظوظًا أنني نشأت في بيئة غنية بالحكي، وبالتجارب.. في الأسرة الصغيرة، منزلنا، وبين يدي جدتي حكاءة. وفي مدينة أم درمان، المدينة القديمة، القائمة على الحكايات والغرائب، وعشت وقتًا لاحقًا في قرية أبي بشمال السودان، عند منحنى النيل.

كانت البيئة غنية بكل محفز. كما أنني رزقت بأبوين محبين للثقافة والقراءة، لكل منهما مكتبة خاصة.. كانت مكتبة أبي مليئة بكتب القانون والتاريخ، بينما مكتبة أمي مليئة بالروايات الأدبية، فكيف لا أكون شغوفًا بالأدب؟!

 

محلية تتخطى الحواجز

السودان محطتك الأولى.. فكيف توظف الوطن في أعمالك؟

– أنا لا أكتبُ إلا عن وطني السودان.. هو ليس محطة أدبية بل هو كل مشروعي الأدبي.. الحكي عن ذلك المجتمع المتباين، المثقل بالهموم والحكايات، أنا لا أراه فقط كما هو؛ أراه كما أتخيله بخيال طفل يعشق الأساطير، وأراه بعين الناقد الذي يتمنى له حالًا أفضل مما يعانيه الآن.

حضور السودان في أعمالك مهّد لحصولك على جائزة نجيب محفوظ والترشح إلى البوكر.. فهل ترى أن الالتصاق بالمحلية يساهم في انتشار الأديب وتجاوزه الحواجز؟

– بلا شك.. إنها وصفة قديمة، أظنها صحيحة، لكنها لا تعني الكتابة الفلكورية، الكتابة المحلية هي أن تتناول الهم الإنساني في إطار محلي.. حينها تصبح الكتابة موحدة بين البشر، هذا هو طريقها إلى الانتشار وتجاوز كل حاجز.

وكيف ترى وجه التراث في الأدب العربي المعاصر؟

– هو حاضر في أعمال عدد كبير من الأدباء، مثل جمال الغيطاني ومحمد المنسي قنديل وواسيني الأعرج وبنسالم حميش وغيرهم.

وتضمين التراث في الأدب المعاصر ليس أمرًا هينًا.. إنه مغامرة صعبة، تبدو يسيرة لمن لا يتبصرها.

 

لم أنتقد كثرة النشر قطّ.. وأعتبره

من سمات العصر

 

انتقدتَ كثرة النشر في العالم العربي.. فكيف ترى سلبيات ذلك وإيجابياته؟ وما سبل ضبطه من وجهة نظرك؟

– على العكس، لم أنتقد كثرة النشر قط، بل أعتبره سمة عصرنا.. هو أمر جديد نتيجة لظروف موضوعية لم تكن متاحة من قبل، ولا أظن أننا يمكن الحكم عليه سلبًا أو إيجابًا الآن.. تحتاج المستجدات دومًا إلى فترة من الزمن لتزول الآثار العابرة الحسنة والسيئة، لنصل إلى الآثار الحقيقية، وبعدها نحتاج إلى وقت إضافي للتقييم والحكم.. وعلى العكس، أجدُ في حجج من يهاجمون كثرة النشر ضعفًا لا يقنعني.. الغرب ينشر أكثر منا، ينشر أمورًا أقل أهمية من وجهة نظرنا.. إن كل من سافر في رحلة صيد سالمون يرجع ليكتب قصته في كتاب من 700 صفحة، كل من مر بتجربة مرض يكتب قصة نجاته من الموت في كتاب من 2000 صفحة.. النشر ليس مشكلة، والكتابة ليست مقصورة على أحد. لكن، بالتأكيد لابد أن يكون لدى بعض دور النشر معايير أعلى للنشر من غيرها، وهذا موجود في الوطن العربي الآن.

كيف تصف تجربتك مع النقد؟

– أعتقد أنني كنت محظوظًا بتلقي نقد جيد حتى الآن. ربما أقسى نقد تلقيته كان من السودان، لأسباب متفاوتة. لكن، في العموم، تلقيتُ نقدًا إيجابيًا، سواء من النقاد العرب المتخصصين أو القراء.

 

جدتي شكلّت مزاجي الحكائي.. لكن لم أكتب حتى الآن عن المرأة كما أتمنى

 

الكتابة أنثى والحكاية أنثى..

لكن المجتمع الذكوري أخذ ذلك منهن

 

لجدتك تأثير على رؤيتك الأدبية كما ذكرت.. فما ملامح حضور المرأة في أعمالك؟

– جدتي لأمي، الحاجة بتول بنت بابكر الريّح هي من شكلت مزاجي الحكائي، ومازلت أتمنى أن أكتب كما كانت جدتي تحكي بطريقتها الساحرة الآسرة، فلولاها لما أحببت الحكايات ولا فكرتُ يومًا في الكتابة، لكن المرأة في أعمالي ليست انعكاسًا لها، إنما تقوم في مكانها المناسب للحكاية.. أغلب أعمالي تدور عن عوالم تقليدية، المرأة فيها مكانتها ملتبسة، فلم أكتب حتى اليوم عن المرأة كما أتمنى أن أراها حرة مساوية للرجل، لها مكان مختلف عن مكانها في المجتمع الذكوري الذي نحياه.

 

المبدعات العربيات متمردات

في مجتمعات لا تقبل المرأة المثقفة

 

كيف ترى إسهامات الأديبة العربية حاليًا؟

– في تطور مستمر.. في السودان بدأ الأدب الروائي والقصصي بالنساء.. عام 1947 نشرت الأديبة ملكة الدار حامد قصصها، وفي الخمسينيات كتبت روايتها «الفراغ العريض».. لكن الردة المحافظة لمجتمعات ما بعد التحرر الوطني أجهضت كثيرًا من المشاريع الأدبية النسائية.. ورغم ذلك، لا يمكن أن نتجاهل تيار آسيا جبار وكتابات مليكة أوفقير ونوال السعداوي وأدب ليلى العثمان ورضوى عاشور وشيخة المطيري، حتى الأجيال الحالية مثل رانيا مأمون وستيلا قاتيانو في السودان، وبثينة العيسى في الكويت، ومنصورة عز الدين والشيماء حامد ونهلة كرم في مصر، ولينا هويان في سوريا، وغيرهن عشرات بل مئات في كل الوطن العربي.

لكن، مازلت أعتبر ذلك غير كافٍ.. هؤلاء متمردات، قاتلن لتكون لهن مشاريع روائية عنوة عن مجتمع لا يقبل المرأة المثقفة.. مازلت أحلم بعدد أكبر من الروائيات لا يحتجن إلى النظر إليهن كفصيل، إنما جزء أصيل من تيار الكتابة في كل الوطن العربي.

هل ترى أن هناك ما ينقصها لاكتمال التجربة الأدبية؟

– الكتابة أنثى، والحكاية أنثى، لكن المجتمع الذكوري أخذ ذلك منهن ليبرع فيه الرجال، تمامًا كمصممي الأزياء والطهاة.. اكتمال التجربة الأدبية لا ينفصل عن أخذ المرأة لحقوقها وتمكينها في المجتمع.. هذا في العموم..

 

لكن، بالنسبة إلى الأفراد فالأمر يختلف.. فالأسماء التي ضربتها كأمثلة هي صاحبة تجربة مكتملة وأنضج من رجال كثر.

وما رؤيتك حول التوجه إلى الأدب النسوي أو الكتابة الخاصة بالمرأة؟

– هذا أمر لا بأس به، وإن اتخذ كنوع من الانتقاص لكل ما تكتبه المرأة، باعتباره منتجًا من الدرجة الثانية يسمى «الأدب النسوي».. لا أظن أن الأدب النسوي هو منتوج النساء، إنما هو الأدب الذي يتحدث عن قضايا النساء، لكن الإنسان هو الإنسان.

 

على أول الطريق

تنتقي أعمالك بدقة عالية.. فكيف تقيّم تجربتك حتى الآن؟

– مازلت على أول الطريق.. مازلت أتعلم.. أخطئ كثيرًا، وأتعثر.. لكن، ما الحياة إلا رحلة طويلة للتعلم.. مازالت تجربتي الأدبية في بدايتها.. لا أعتبر أربعة أعمال حتى الآن كافية للنضج، أو للحديث عن مشروع مكتمل.. مازال أمامي الكثير.

غالبًا ما تثير الجدل مع الإعلام.. فكيف ترى تعاملك معه؟

– هل حقًا أنا مثير للجدل مع الإعلام؟! إنني أخشاه.. إنه سلطة مخيفة ومربكة، بقدر ما هو أمر مهم للكاتب وللعمل الروائي.. لكن نقْل كلمة واحدة عنك خطأ يعني أن تصبح هدفًا للهجوم، أو يُترك عنك انطباع سيئ. وفي هذا الزمن سريع التقلب تدوم الانطباعات الأولى.. لا أحد لديه وقت لمراجعة أفكاره.. لقد لدغت من صياغة التعليقات والحوارات كثيرًا.. لذلك أصبحت أخشى الإعلام.. لكنه جزء من الصفقة كما يقال، لا يمكنك الابتعاد عنه تمامًا.. وهو مهم أيضًا للتواصل بين الكاتب والقراء، وعرض الأفكار.

 

الكثير من القهوة والسجائر

هل لك طقوس خاصة بالكتابة؟

– الكثير من القهوة، الكثير من السجائر، هذا أهم شيء.. ثم أحب الكتابة على الورق، في جو شبه هادئ.. ثم أقوم بتبييض ما كتبته على الورق على جهاز الكمبيوتر ليظهر مرتبًا مترابطًا ويخرج منه شيء مفهوم.

يأتي هذا بعد وقت طويل من تقليب العمل والشخوص في ذهني أشهر ربما عام.. لا أتعجل الكتابة، وأبحثُ طويلًا عن الجملة الافتتاحية للعمل.. هي العتبة التي أستطيع بعدها فتح السرد.. إن لم أعثر على جملة مريحة لا أكتب.

من أهم الأدباء الذين أثّروا فيك؟ وهل تعتبر نفسك تسير وفقًا لمنهج أحدهم؟

– كل كاتب هو خليط من تجارب وقراءات.. لا أعتقد أن هناك تأثيرًا مباشرًا من كاتب أو كُتّاب محددين.. هناك من يعجبونني.. لكن، أن أقول إنني تأثرت بفلان دون غيره صعب. لقد أعلنتُ إعجابي أكثر من مرة بسادة الرواية في زماننا، الطيب صالح ونجيب محفوظ وماركيز، الأيقونات الحديثة الذين أزعجوا كل من بعدهم.. لكنني لا أعتبر نفسي ابن كتابة أحد ما بشكل مباشر.. كما قلتُ لك أنا أتمنى أن أكتب كما كانت جدتي تحكي، وجدتي عندي هي أفضل من كل روائيي العالم.

هل هناك مشروع أدبي جديد تعكف على إنتاجه؟

وما ملامحه؟

– أعمل على رواية جديدة قاربت الانتهاء.. أعتقد أن سؤال الهوية هو أحد الأسئلة التي تدور حولها الرواية، لكن ليس وحده.. فلننتظر بضعة أشهر، حينها سيقرأ الجميع العمل الجديد ويتعرفون على ملامحه أفضل.

 

شوق الدراويش

آخر إبداعات الكاتب السوداني المقيم في القاهرة حمور زيادة كانت رواية «شوق الدراويش»، الصادرة عن دار العين للنشر بالقاهرة، والحاصلة على جائزة نجيب محفوظ التي تنظمها الجامعة الأميركية عام 2014، وتتناول شوق الدراويش عالمًا غامضًا للبعض في أعماق السودان، حيث تقدم الرواية أحداثًا وشخوصًا من حقبة زمنية تعد تاريخًا للسودان، في ضوء الدولة المهدية التي تأسست في أواخر القرن التاسع عشر، أي إن حمور زيادة يستقي من الواقع لتتجلى جماليات روايته.

مع هذا، ورغم الاعتماد على الخلفية التاريخية، إلا أن زيادة لا يقف عند سرد الأحداث سواء كانت البطولات أو السقطات التاريخية، بل يقدم روح السودان والحياة بشخوصها وملامحهم البارزة في السرد، كما يطرح الرؤية الأسطورية التي تحيط العمل والشخصيات من خلال شخصية بخيت منديل، الذي يبحث عن الانتقام من الذين حبسوه، والذين قتلوا حبيبته ثيودورا اليونانية أيضًا.

ويقدم حمور زيادة عمله الروائي من رؤية أصحابه وأبطاله، وكذلك لغتهم السودانية التي تتلاءم مع القارئ العربي بصورة عامة، مع تجانس واضح للشاعرية التي تحملها كلمات الرواية، والتي تتطور في كل فصل وتوضح دواخل كل شخصية.

«شوق الدرويش» اسم لافت للقارئ بصورة عامة واستطاع أن يسوق للكِتاب بين القراء، لاسيما حينما تتجلى مأساة ومعاناة الدرويش المقصود به بخيت الذي يعاني من تقاسم روحه بين عذابات الشوق لمحبوبته وعذابات العبودية والأسر والسجن التي تعرض لها.

 

القاهرة – دار الإعلام العربية

أمنية عادل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: