ثقافةزوايا

سعود السنعوسي: وجدتُ في الكتابة حريتي

سعود السنعوسي روائي كويتي شاب استطاع أن يسطر اسمه بين كبار كتاب المكتبة العربية في وقت مبكر من حياته الأدبية، عُرف بأسلوب مختلف في الكتابة عبر فيه عن وطنه وتناول في كتاباته أسئلة تتعلق بالهوية والعلاقة بالآخر، هو أيضًا أصغر من فاز بجائزة البوكر للرواية العربية عن رواية «ساق البامبو»، وقد ظهرت روايته الأخيرة «حمام الدار» في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب لفرع الكاتب الشاب. في هذا الحوار نقترب أكثر من الروائي سعود السنعوسي:

 

في البداية، نود أن نعرف ماذا وجدت في الكتابة جعلك تتجه إليها في فترة مبكرة من حياتك؟

– إذا ما وضعنا بعين الاعتبار أن الكتابة المبكرة كانت في الدفاتر الشخصية، حينما كنت طفلًا ومراهقًا، فقد وجدتُ فيها وسيلة تعبير

وحيدة متاحة بالنسبة لشخصٍ قليل الكلام كثير الإنصات والرصد لما يجري حوله، وحدها الكتابة منحتني فرصة أن أكون أنا،  حُرًّا فيما أكتب، وحتى بعد انتقالي للكتابة والنشر، ما زالت الكتابة هي وسيلة التعبير الوحيدة

التي أملكها والتي من خلالها أستطيع أن

أقول ما لا أستطيع قوله من خلال شخوص أعمالي، بالعودة إلى السؤال أقول؛ وجدت في الكتابة حريتي.

كتابة الرواية تمنحني فرصة أن أخوض في كل صنوف الإبداع

 

ومتى قررت أن يكون الفرع الأدبي الذي تكتبه هو الرواية؟

– مثل أي طفل من أبناء جيلي كانت البداية مع أدب الطفل من خلال سلسلتي «المكتبة الخضراء» و«ليدي بيرد»، ثم انتقلت بقراءاتي إلى أدب الناشئة ثم في المراهقة أوليت الشعر اهتمامًا أكبر، ثم التاريخ والميثولوجيا والفلسفة، أما الرواية فقد كانت محطتي الأخيرة إذ وجدت فيها قابلية لأن تحتوي كافة صنوف الفنون والإبداع، وحدها الرواية، بصفتها حياة، تستوعب في صفحاتها الشعر والمسرح والسينما والفن التشكيلي والتاريخ والدين والفلسفة والعلوم. ولعلَّ هذا ما دفعني لأن أتجه أدبيًّا لكتابة الرواية لأنها تمنحني فرصة أن أخوض في كافة صنوف الإبداع تحت إطارها.

 

أنا مدين بكتاباتي إلى كل الكتاب الذين تحتل مؤلفاتهم رفوف مكتبتي

 

تأثرتْ في عملك الروائي الأخير «حمام الدار» بالكاتب الأميركي «بول أوستر»، فمن هم الكتّاب الآخرون الذين أثروا في كتابات سعود السنعوسي؟

– لا أستطيع أن أضع يدي على كتاب أو كاتب محدَّد، إنما أنا مدين بكتابتي الى كل الكتاب الذين تحتل مؤلفاتهم رفوف مكتبتي، كل كتاب أقرؤه يشكّل لبنة في بناء شخصيتي، وبالتالي ينعكس ذلك على كتاباتي، أنا أستفيد من كل ما أقرأ، حتى تلك الكتب التي لا تعجبني أستفيد منها باكتساب الوعي: «لا أريد أن أكتب شيئًا كهذا». نعم، هناك كتب لها تأثير مباشر في بناء وعيي ولا أستطيع العبور من دون ذكرها، ولكن لو قيّض لي أن أختار كتابًا واحدًا من تلك الكتب التي تركت أثرًا بالغًا في نفسي فسوف أختار رواية «البؤساء» لفيكتور هوغو، تلك الرواية التي قرأتها في مرحلة مبكرة أثارت لدي الأسئلة حول تلك الشخصيات التي لم أستطع تصنيفها. إرثنا القصصي يعتمد في الغالب على ثنائية الخير والشر، ولكنني في «البؤساء»، صغيرًا، لم أعثر على شخصية شريرة أو خيّرة بالمطلق، وقفت حائرًا أمام «جان فالجان» اللص النبيل الغني الفقير الظالم المظلوم، وشخصية الشرطي «جافيير» التي بدت شريرة في حين أنها لم تفعل شيئًا عدا تطبيق القانون، وشخصية الأم «فونتين» فتاة الليل الضحية المضحية. في «البؤساء» تعلمت صغيرًا أننا نقرأ من أجل فهم الشخصيات لا لمحاكمتها على سلوكها ونمط تفكيرها، وهذا أكسبني أداةً مهمة في بناء شخوص رواياتي.

نلمس عند قراءة رواية «سجين المرايا» التجربة الأولى والانتقال إلى «ساق البامبو» تغيرًا في أسلوب الكتابة والسرد وكذلك الحوار، فكيف تغير الكاتب سعود السنعوسي من «سجين المرايا» إلى «ساق البامبو» والأسباب وراء ذاك التغيير؟

– أنا مؤمن بأن كل موضوع يختار شكله ولغته، في «سجين المرايا» نحن نقرأ ما يقوله شاب، في مطلع العشرينيات، يُعاني من عُقد نفسية، ذلك شرط يقيدني في الكتابة وفق ما يبدو منطقيًّا مع شخصية ذلك الشاب قليل الخبرة، وفي «ساق البامبو» قدَّمت العمل على أنه سيرة ذاتية مكتوبة بلغة «التاغالوغ» بقلم شاب هجين كويتي – فلبيني لا يكتب بالعربية، وأولى صاحبه في الرواية، إبراهيم سلَّام، مهمة ترجمة الرواية للغة العربية، ووفق تلك الاشتراطات يجب عليّ أن أكتب في حدود وعي ذلك الشاب ذي العشرين عامًا، لغة بسيطة أقرب ما تكون إلى الأدب المترجم. أما في «فئران أمي حصة» فقد كان الراوي روائًّيا شابًّا، لغته أقرب ما تكون إلى لغتي، ولعلَّ الأمر كان أكثر صعوبة في رواية «حمام الدَّار» إذ إنها تفترض أن الراوي أديب مخضرم له تجارب ناجحة في الرواية والقصة والمسرح والسينما، فقد كان التحدي في تطوير مستوى اللغة والاتجاه إلى التجريب في الشكل الروائي. ذلك التغيير الذي تشيرين إليه إنما هو تغيير مدروس وفق اشتراطات كل عمل، ولكن هناك تغييرا عفويا يكتسبه الكاتب من خلال قراءاته، فمن المؤكد أنني أقرأ أكثر في الفترات بين إصدار وآخر، وهذا ما يمكنني من تطوير أدواتي الكتابية.

 

حصلت على جائزة البوكر العربية عن ثاني عمل روائي منشور لك، فهل كان لمجيء الجائزة في فترة مبكرة من حياتك الأدبية أثر على مشروعاتك الروائية فيما بعد؟

– أتحرَّر من الجائزة وتبعاتها بأن أنسب الفوز إلى «ساق البامبو»، ولا أنسبها لسعود لأن في ذلك تقييدا لحريتي في الكتابة ومراعاة القارئ على حساب ما أريد قوله بالشكل الذي أريد أن أقدمه. ولكن لا شك أن للجائزة دورا كبيرا في وضعي أمام مسؤولية كبيرة، الجائزة منحتني رواجًا لدى القارئ العربي، والقارئ يمنح الكاتب سلطة القول، وأنا لا أريد استسهال التعامل مع تلك السلطة، لذلك أنا متأن وحذر جدًّا في استخدامها.

 

في رأيك هل الرقابة على الإبداع أو الكتابة قد تمثل ثِقلًا على الكتّاب والمبدعين؟ وهل تأثير تلك الرقابة قد يختلف بتغير جنس الكاتب؟

– الرقيب لا يولي اهتمامًا بجنس الكتاب بقدر ما لديه من خزين من المواضيع والكلمات التي يتوقف عندها بشكل آلي. لم يعد يعنيني أمر الرقابة في شيء، لست متضرّرًا على أي حال إلا فيما يُسيء إلى وطني الذي كان أيقونة ثقافية فيما مضى وجزءًا من الحراك الثقافي العربي. فما يحدث في الكويت اليوم إنما هو عارٌ على كل مسؤول لا يُحرك ساكنًا إزاء مجازر الرقيب المخزية. أما بالنسبة لي فلا أبالغ إن قلت إنني مدين للرقيب الذي منحني حريتي في الكتابة، فمادام العمل ممنوعا على أي حال، فأنا أكتب ما أريد من دون مواربة أو التفاف على ما أراه حقيقة.

 

في روايتك الأخيرة «حمام الدار» جنحت إلى بعد فلسفي وإنساني وغيرت كثيرًا من أسلوب الكتابة الذي ظهر في رواياتك السابقة، ألم تخش أن تكون هذه مخاطرة مع قاعدة جمهورك التي اعتادت منك أسلوبًا مختلفًا في الكتابة؟

– كنت أعي تمامًا خطورة المغامرة التي أُقدم عليها، وكنت أعرف أنني بصدد خسارة عدد كبير من القراء الذين اعتادوا على نمط كتابة معين أحبه في أعمالي، ولكنني لا أريد أن أنصاع دائمًا إلى القارئ وأقدم له أعمالًا من دون جديد على صعيد الشكل، أنا أطمح لأن أتحرك من مكان إلى آخر مصطحبًا قارئي معي عوضًا أن يجرني إليه ونراوح، هو وأنا، في المكان ذاته. وإذا ما انصعت لذائقة القارئ فإن واحدنا سوف يدمر الآخر في نهاية المطاف، لهذا السبب أحاول قدر الإمكان أن أجرب في الأشكال الأدبية، أخسر قارئا، وأكسب آخر، وفي الوقت نفسه هناك عدد لا بأس به من القراء يرافقونك رحلة الكتابة والمغامرة على اختلاف أشكالها.

 

في روايتي «ساق البامبو» و«فئران أمي حصة» كانت القضايا المحورية مرتبطة بالمجتمع الكويتي إلى جانب الشخصيات والأماكن، أما في الرواية الأخيرة «حمام الدار» فكانت القضية إنسانية وتجربة لغوية من نوع مختلف.. فهل أردت في روايتك الأخيرة ألا تحصر نفسك ككاتب يتناول قضايا مجتمعه المحلية؟

– البيئة كانت قريبة من الكويت في زمن ما، ولكنها في الوقت نفسه صالحة لأن تكون في أي بلد عربي إذا ما تحدثنا عن مسرح الحدث «البيت العربي القديم»، لم أحدد مكانًا أو زمانًا للرواية لأن موضوعها لا علاقة له بالاثنين، وذكرهما سوف يُثقل النَّص الثقيل بطبيعته، فقد كنت أمام تجربة إنسانية تعاني الفقد والأسئلة العصية على الإجابات، تلامس أي قارئ في العالم، ورغم ذلك لم أستطع أن أنسلخ تمامًا عن محليتي في العمل، فكل التفاصيل تشي بأن البيئة كويتية قديمة وإن شابهت الكثير من الثقافات الأخرى. الكتابة عن قضية مجتمعية أمر متعب جدًّا، لهذا سمحت لنفسي بأن أجنح بعيدًا في «حمام الدَّار» بعد الكتابة في مأزق الهُوية والتطرف المذهبي في «ساق البامبو» و«فئران أمي حصة».

 

فتنت بشخصية جدتي

مُذ كنت طفلًا أعيش

في كنفها

 

لشخصية الجدة أو المرأة العجوز حضور طاغ في روايات سعود السنعوسي.. «جاكلين» في سجين المرايا، «غنيمة» في ساق البامبو، «حصة» في فئران أمي حصة، وكذلك بصيرة في النصف الأول من «حمام الدار» إِلام تُرجع ذاك الحضور الطاغي لشخصية الجدة؟

– جدَّتي. هكذا باختصار، وسوف تستمر هذه الشخصية بظهور متباين في أعمالي. كل العجائز في كتاباتي، رغم أن واحدتهن لا تشبه الأخرى، فإن كل واحدة منهن تجلٍّ مختلف لتلك المرأة التي فتنت بشخصيتها مُذ كنت طفلًا أعيش في كنفها. تلك المرأة خامة قابلة للتشكيل وإعادة التدوير وخلق العديد من الشخصيات المغايرة، تظهر في كل عمل بصورة لا تشبه ظهورها في الأعمال الأخرى. إن كان الأمر مملًّا للقارئ فأنا أعتذر مسبقًا لاقترافي تكرار حضورها مستقبلًا، أما إن كنت قد وفّقت في أن أجعل من عجائزي شخصيات محببة للقارئ فأنا أبشره بالمزيد في قابل الأعمال. لا أبالغ إن قلت إن وجود عجائزي إنما هو دافع رئيس للكتابة.

 

الأعمال العظيمة تكتسب صفتها بقدر الأسئلة التي تورط فيها المتلقي

 

تطرح رواياتك أسئلة عن الهوية والعلاقة بالآخر البعيد والقريب وكذلك الانتظار والفراق وقد جاء عن لسان منوال بن أزرق في روايتك (حمام الدار) «السؤال.. وحده السؤال منحة العقل ومحنته»، في رأيك ما أهمية أن يقدم الأدب لقارئه أسئلة؟

– بل هي الأهمية الأولى من وجهة نظري، المتعة والمعرفة وحدهما لا تكفيان رغم أنهما اشتراط يجب توافره في كل عمل أدبي، ولكن ما قيمة الرواية أو المسرحية أو أي عمل إبداعي إن لم يشعل فتيل فكرة، أو إثارة سؤال، ينتهي العمل الفني ويبقى المتلقي يراوح بين أسئلته يتأمل ويبحث عن إجابة؟

أتصور بأن الأعمال العظيمة تكتسب صفتها تلك بقدر الأسئلة التي تورط فيها المتلقي لتشركه في كتابة النص والتأويل والبحث عن معناه عوضًا أن يكتفي المتلقي بدور سلبي يوافق الكاتب في كل ما يتلقاه.

 

ذكرت سابقًا أن روايتك الأولى كتبتها «من أجل أن تكتب فقط» ولا ترى ذلك كافيًا، فهل يعني ذلك أن العمل الأدبي الناجح يجب أن يقترن به هدف ما أو رسالة ما؟

– لا، إنما يجب أن يكون هناك دافع حقيقيّ للكتابة، فإعجابك بصفة «الكاتب» وحدها لن تصنع منك كاتبًا ما لم تكن مهمومًا بقضية أو فكرة تشرك بها القارئ وتورطه في أسئلتها، أو ما لم تقدم جديدًا على صعيد الشكل أو المضمون. مسألة الرسالة في العمل الأدبي تحمله حملًا نبيلًا أكثر مما يحتمل، ليس بالضرورة أن تكون هناك رسالة واضحة من أجل الكتابة، رغم أن كل عمل يحمل رسالة بشكل أو بآخر، ولكن لا بد أن يكون هناك دافع ومحرك وسبب من أجل الكتابة والنشر. لهذا، على سبيل المثال، ذكرت لك أنني أكتب بالدرجة الأولى بدافع البحث عن حريتي.

 

الكثير من الأسماء اليوم في الكويت تقدم أعمالًا ناضجة

 

هل تشهد الكويت حاليًا حراكًا ثقافيًا وأدبيًا مختلفًا عما كان في السنوات السابقة؟

– أعتقد ذلك، الحراك الثقافي مؤخرًا  تمخض عن عدد لا بأس به من الأسماء الجادة التي تتخذ من الكتابة مشروع حياة. الكثير من الأسماء اليوم في الكويت تقدم أعمالًا ناضجة تحمل قيمة فنية وأدبية وتحقق حضورًا بمعزل عن الجوائز التي ساهمت برواج بعض الأسماء، لأن الجوائز وحدها ليست مقياسًا على أهمية النتاج الأدبي، بإمكاني أن أعدد لك أسماءً تركت بصمة وحققت حضورًا كبيرًا من دون ارتباطها بجائزة.

 

المشروع الروائي القادم سيكون «فنتازيا» في الكويت ما قبل النفط، هل ننتظر أن تكون مشابهة نوعًا ما لـ«فئران أمي حصة» التي جمعت بين الحقيقة والخيال؟

– أتمنى أن أقدم عملًا مغايرًا شكلًا وموضوعًا. أستطيع أن أقول إنه العمل الذي أخذ مني جهدًا كبيرًا في القراءة والبحث لأطرق موضوعًا لم يتم التطرق له من قبل بشكل يقارب الفنتازيا.

أود ألا أنهي هذا الحوار أبدًا، ولكن في الختام إذا كان لشخصك الكريم أي كلمة أخيرة فلنختتم بها اللقاء.

– استمتعت بالأسئلة وأتمنى أن أحظى بقبول القارئ لإجاباتي.

كتبت: داليا شافعي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق