لقاء الغلاف

شيماء العيدي – صاحبة أجمل ابتسامة والمرشحة لجائزة نوبل للسلام

شيماء العيدي: لا انتظر شفقة الآخرين.. لأني أرى السرطان «نعمة»

 

رائعة هي ابتسامتها التي تقول للحزن: لن تغلبني.. وإرادتها التي تقول للفشل: لن تتمكن مني.. وطموحها الذي يقول للإحباط: لن تسيطر عليّ.

إنها الكويتية شيماء العيدي.. تعرف نفسها على مواقع التواصل الاجتماعي بأنها «محاربة السرطان»، لكنها تؤكد أن النصر سيكون حليفها بعبارة «سأهزم المرض إن شاء الله»، وحتى ذلك الحين تواصل مهامها سفيرة لـ «السعادة» من خلال الابتسامة التي تمنحها للجميع، داعية القراء والمتابعين إلى تجاوز المصاعب أيا كانت بالحب والعزيمة.. ولرسائلها الإيجابية التي تبثها في كل مكان تم ترشيحها لجائزة نوبل للسلام.

 

لم أقل: لماذا أنا..

بل قلت: أنا أقدر

 

كيف تلقت شيماء العيدي خبر إصابتها بمرض السرطان؟

تلقيت الخبر بمفردي، وكان لدى إحساس بالنتيجة، ولكني كنت أكذب نفسي، وبمجرد أن أكد لي الطبيب، طلبت منه أن اتصل بأخواتي، وبالفعل اتصل على واحدة من شقيقاتي، وجئن إلي بالفعل، وحاولت أن اتفق معهم بشأن نقل الخبر لوالدتي، وكوني انني «الجعدة» أي اصغر واحدة في أسرتي، فكنت أتلقى الدعم منهم بشكل كبير، وكنت أحرص أن أبكي كلما احتجت لذلك.

توالت الأيام وكان المرض يتطور من مرحلة الى اخرى لذلك أعطيت لنفسي الحق بالحزن لمدة ساعة، لانه لا يوجد وقت في الحياة كي أقضيه في الحزن، ولم أسمح لليأس أن يقتل فيّ إرادة الحياة التي لم يتمكن منها المرض، وبدلا من أن أسأل نفسي: «لماذا أنا؟»، قلت وأنا أمام مراحل العلاج المرهقة خصوصاً الكمياوي: «أنا أقدر».

تحولت مع هذه العبارة إلى شعار عابر للظروف.. وحقيقة أقول: لم أر السرطان إلا نعمة، وكان حزني الحقيقي أني سوف اتلقى علاجي في الخارج، وأترك أهلي وديرتي لمدة تزيد عن سنتين، كما قال الأطباء وقتها.

 

لماذا أصررت على دراسة تخصص تعليم المصابين بالتوحد والإعاقات الذهنية؟

بطبعي أحب الأطفال بشكل كبير جدا، وارتباطي بهم جعلني أختار أن أعمل أستاذةً للغة الإنجليزية ومتخصصةً في تعليم المصابين بالتوحد والإعاقات الذهنية، فأنا أعلم ما يعانيه هؤلاء الاطفال من آلام.

 

وماذا عن أمنية والدك -رحمه الله- بشأن دراستك الحقوق؟

والدي – رحمة الله عليه-  كان يرى فيّ طلاقة الحديث منذ صغري خاصة في المدرسة، وكان يتمنى ان أدرس القانون وأتخصص في المحاماة.

 

حدثينا عن الوالدة الله يحفظها.

أفخر بأن والدتي أمية لا تقرأ ولا تكتب، كنت انا اقل منصب في منزلنا، صحيح ان أمي كانت عصيبة وقوية، ولكن ذلك حتى تستطيع تربية اخواني الذكور، وقد علمتنا من القيم وهي أمية، وأتت بأمة تنفع المجتمع.

وأضافت: فخرنا بها في كل تكريم تحضره لي

أو لأحد اخواتي تبدو فيه كالجوهرة تتلألأ بيننا.

 

حملة «أنا اقدر» .. أين ولدت؟

حملة «أنا أقدر» تهدف إلى محاربة السرطان، وعلى الرغم من أنني أطلقتها في بريطانيا، إلا أنني حرصت على كتابتها باللغة العربية، وأسست ضمنها موقعاً لعلاج الأطفال المصابين بسرطان الدم، عن طريق التبرع بالخلايا الجذعية مجاناً، ويعالج الموقع جميع الأطفال على مستوى العالم من مختلف الجنسيات والأعراق والديانات،

منذ الولادة حتى 18عاماً، ويوفر الموقع المتبرع ويقوم بعملية التنسيق وفتح قناة تواصل بين المتبرع وأهل الطفل المريض المتطابق معه في الدم وغيره من الصفات الطبية اللازمة، بحيث يمكن للطفل الاستفادة من الخلايا الجذعية للمتبرع،

وذلك لتسهيل الأمر على أهل الطفل المريض في الحصول على متبرع، فهناك آلاف الأطفال ينتظرون هذا المتبرع كطوق نجاة،

ولكن للأسف يصعب عليهم إيجاده أو الوصول إليه، ولهذا السبب أنشأت الموقع لتوفيره، بعد التأكد من صلاحية التبرع والتناسب مع حالة الطفل.

كما يتولى الموقع عملية التنسيق بين المتبرع وأهل الطفل المريض، وتأمين مصاريف سفر المتبرع إلى الطفل في البلد الذي يقيم فيه الأخير، ومصاريف إقامة المتبرع، حتى الانتهاء من عملية التبرع وعودته إلى بلده.

 

أول موقع لعلاج الأطفال المصابين بسرطان الدم عن طريق التبرع بالخلايا الجذعية مجاناً

 

لك في إنشاء الموقع حكاية.. فما هي؟

الحمد لله الذي أكرمني بمرض السرطان، ومن حينها وأنا أتلقى العلاج في بريطانيا، ذهبت لأتلقى أولى جلسات العلاج الكيميائي، وقبل بدء الجلسة لاحظت أن الطبيبة لها استعدادات خاصة جداً، فأخذت ترتدي قفازات تحمي يديها ونظارة خاصة تحمي عينيها، وغيرها من الدروع الطبية، وأنا جالسة أفكر بصمت:

«كل هذه الاحتياطات والأقنعة، فماذا عن جسدي؟ كيف سيتحمله مباشرة؟، وسرعان ما ذهب فكري باتجاه قلبي وأحبتي الأطفال، فقلت: وإذا كنت أنا كبيرة ولدي قدرة على التحمل، فماذا عن الأطفال؟ كيف ستتحمل أجسادهم الغضة النحيلة هذه الأشعة؟

فقررت أن أقدم لهم عملاً يحميهم من عذاب الكيميائي، فكنت كلما أصبت بأعراض جانبية كالحروق في جلد الوجه وكامل الجسد حتى الأظافر تحترق، ولا أتحمل الملابس، كنت أفكر كثيراً في الأطفال أكثر من تفكيري في نفسي، و كلما تساقط شعري، ازداد تفكيري في الحفاظ على شعر الأطفال وحواجبهم.

وتابعت:

قبل إصابتي بالسرطان كنت مدخرة مبلغاً من مالي الخاص، وأنوي أن أنشئ به مركزاً لتعليم وتدريب ورعاية أطفال التوحد والإعاقة الذهنية، وبعد إصابتي وشعوري بالآلام التي قد يشعر بها الأطفال المصابون بمرض السرطان، قررت إنشاء هذا الموقع.

 

المناجاة كالضوء الذي يدخل ثم يشغل مساحة تكبر في قلبه شيئا بشئ

 

تحدث في محاضرة لك في الكويت عن قيمة المناجاة في حياة المريض؟

عندما كنت في العزل الصحي في المستشفى وكان يمنع عليّ لأسباب الصحية استخدام الهاتف او قراءة كتاب، ولا يوجد احد اتحدث معه، سألت الممرضة: هل يوجد معي هناك أحد أتحدث معه؟

فأجابت: نعم، ولكن هذا الشخص يعاني من اكتئاب حاد ولا يتحدث مع احد كما انه موقع على اقرار اخذ ابر الرحمة التي تعني انه يمكن ان ينهي حياته في أي وقت يريده بسبب آلامه كما هو متبع في مستشفيات الغرب.

وأضافت: قررت محاولة التحدث مع هذا الشخص الذي فقد الأمل في حياته، كتحد لي ان أزرع بداخله الأمل مرة أخرى، وحاولت مررا وتكرارا وهو لا يريد التحدث، وفي النهاية قرر ان يستمع لي ليتخلص من وجودي،

فتحدثت معه عن فكرة «مناجاة الرب» وهو غير مسلم ولم اعلم ما دينه كما انه لم يسألني عن ديني،

ولكنه استمع لي كمريضة رغم انه لم يكن يعرف ان ينطق الكلمة.

وضحت له كيف ان المناجاة كالضوء الذي يدخل ثم يشغل مساحة تكبر في قلبه شيئا بشئ، وبالفعل استجاب لي، وبدأ يعرف كيف يقول كل ما داخله لربه ويتحدث معه.

في ذلك الوقت انتقلت انا الى مستشفى أخرى لإجراء عملية كانت مقررة لي، وبعد ان خرجت تلقيت منه رسالة يقول لي فيها انه استطاع التغلب على معاناته وانه لن يأخذ إبر الرحمة،

وانه سوف يساعدني في حلمي بإنشاء موقع عالمي للتبرع بالخلايا الجذعية للأطفال المصابين بسرطان الدم مجانا، ايمانا منه بفكرة إنفاذ الاطفال من المعاناة.

 

ماذا عن لقب «سفيرة السعادة»؟

لقب يسعدني كثيرا ويلهمني لأن أبذل كل ما في وسعي للتخفيف من الأثر النفسي للتغيرات الجسدية التي تطرأ على مرضى السرطان، لذا أخذت على عاتقي إعادة البسمة إلى وجوه الأطفال المصابين بالسرطان.

لا يستطيع أن يشعر بألم السرطان إلا مريضه

 

ماذا عن مشروع قبعات الشعر المستعار للأطفال؟

كنت في أحد مراكز علاج الأطفال من السرطان، وشاهدت طفلة ماسكة في يدها عروستها ذات الشعر الجميل الطويل الرائع، وفي يدها الأخرى مقص لا يتوقف عن جز شعر العروسة،

فسألتها: لماذا تقصين شعر العروسة؟ إنه جميل، فأجابت الطفلة دون أن تلتفت إليّ: «لأنه جميل أنا أقصه»،

وهنا أدركت كم كان الألم النفسي الذي تمر به هذه الطفلة ذات الرأس المرقع بالشعر المتقطع، فذهبت إلى منزلي وقمت أحيك لها قبعة مصنوعة من الشعر، وصنعت لنفسي واحدة مثلها لأنام بها ليلة كاملة، ليتضح لي هل إذا كانت تسبب متاعب أم لا، لأنه لا يستطيع أن يشعر بألم السرطان إلا مريضه،

وجسد المريض لا يتحمل ملامسة أشياء كثيرة بعد الخضوع للكيميائي.

وأضافت:

ومن الأشياء التي يصعب علينا تحملها، وضع الشعر المستعار، لذلك لم أشتر لها واحدة، بل ابتكرت لها شيئاً يتناسب مع ظروفها التي هي ظروفي، واتخذت من رأسي مختبراً للتجربة،

وبعد أن تأكدت من ملاءمة ما صنعت مع ما صنع لنا القدر، أخذت القبعتين في اليوم التالي وذهبت للطفلة، وقدمتهما لها،

ولم تقتنع في البداية ولكنها اقتنعت بعدما ارتديت أنا قبعتي، فتشجعت وارتدت هي كذلك، ثم بدأت تبتسم ثم تضحك ثم تعبر عن فرحتها.

وكنت أنا حينها سعيدة لفرحتها أكثر منها، فذهبت وواصلت حياكة هذه القبعات بالمجان للإناث المصابات اللاتي أخذ منهن الكيميائي تاج رؤوسهن، فصنعت لهن تاجاً آخر أحيكه بالحب.تابعت:

وبنفس الحب أبحرت في رحلة بحث عن دواء لعلاج مشكلة تساقط اللحية عند الذكور، فعثرت على دواء موضعي ينبت الشعر ثانية بالاستخدام، فجربته على نفسي أولاً،

وبعد أن تأكدت من نجاحه وخلوّه من الآثار الجانبية، بدأت أوفره بالمجان لكل مريض سرطان يحتاج إليه.

 

تصوير: فهد الكندري

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق