حياتنا أحلي
أخر الأخبار

يحمل رسالة حقيقية للشباب.. عبدالله ياسين.. يداه جسد كامل وكرسيه المتحرك جناحان يطيران به نحو الحلم

عبدالله ياسين أو (عبودي)، بدأت مسيرة المعاناة عند هذا الشاب منذ التقاطه أنفاسه الأولى على هذا الكوكب، خرجت الكلمات ثقيلة ومتلعثمة من فم الطبيب فور خروجه من غرفة عمليات الولادة حين أراد أن يطمئن والده: (صحة عبدالله بخير، بس عندو مشكلة، عبدالله ما عندو قدمين، ويداه ملتصقتان ببعضهما)، الأم لم تصدق خصوصاً أن الطبيب لم يخبرها بوجود مشكلة أثناء المعاينات خلال الحمل، وحتى الآن لا أحد يعلم ما حصل غير أنها مشيئة الله.

قررت أن أتحدى ذاتي ونزلت إلى ملعب المدرسة لأشارك رفاقي في لعب كرة القدم بيدي!

يجلس عبدالله على كرسيه المدولب ويروي بشغف مراحل معاناته، ويقول (خضعت لثماني عمليات جراحية حين كان عمري سنتين، وخضعت لعملية لفصل يدي عن بعضهما، وقبيل دخولي للمدرسة عند عمر ثلاث سنوات تم تركيب طرف اصطناعي لي وكنت أتحرك قفزا لأنه ليس لدي قدمان لأحرّكهما).
يتابع: كنت أحزن حين أنظر من نافذة صفي إلى الطلاب كيف يلعبون ويركضون وأنا لست قادراً على الحركة، وعند السابعة من عمري قررت أن أتخطى ذاتي ونزلت إلى ملعب المدرسة لأشارك رفاقي في لعب كرة القدم بيدي.

بداية حياة جديدة
بدأ عبدالله شيئاً فشيئاً يتغلب على نفسه، ويكسب ثقة أهله ويقتل شعور الخوف عليه داخلهم، ففي عمر الثالثة عشرة لحق عشقه لكرة القدم وقرر النزول وحده من الجنوب إلى العاصمة بيروت لمشاهدة مباراة الديربي اللبناني بين ناديه المعشوق النجمة بمواجهة الأنصار، وفي هذه المباراة شاهده أحد إداريي النادي وطلبه للنزول إلى أرضية الملعب للتعرّف عن قرب على اللاعبين والتقاط الصور معه، وهنا أصبح عبدالله معروفاً على صعيد لبنان خصوصا أن نادي النجمة له القاعدة الجماهيرية الأكبر.
لم يكتفِ عبودي بخطوته الأولى، بل بات يقضي معظم أوقاته خارج المنزل مع الأصدقاء، ولحق عشقه لنادي النجمة وأسس مع أصدقائه رابطة لمشجعي النادي في بلدته كفرتبنيت، وبات ينسّق مع أصحاب الباصات لتأمين النقليات للنزول إلى العاصمة وتشجيع النادي من الملعب، يقول عبدالله (رغم عشقي لكرة القدم اقتنعت بأنني غير قادر على ممارستها كما يجب، لذلك اتجهت إلى رياضات أتمكّن منها بشكل أفضل وهنا كانت الانطلاقة).

نجاحات
قرر الشاب المثابر اللجوء إلى رياضة السباحة وتمرّن لثلاث سنوات متواصلة، انتقل بعدها للعب كرة السلة وتميّز، في (كرة سلة للكراسي المتحركة) ، وحاز مع المنتخب المرتبة الثانية في البطولة الدولية للكراسي المتحركة، ومع ناديه أحرز المرتبة الثالثة في بطولة لبنان.

موقف صعب واجهك
يقول عبدالله (الحمد لله استطعت أن أتخطى قدراتي وأحقق نجاحات على الصعيد الشخصي قبل النجاحات في المجتمع). ويتابع (كنت أتعرض لبعض المواقف المؤذية، حيث كان يضع لي البعض أموالا على كرسي المتحرك كنوع من الشفقة أو المساعدة، وهذا يدل على ضعف الثقافة عند هؤلاء).

دور الأهل
كان لأهلي الدور الأهم والأبرز في مسيرتي وأعطوني دعمهم المطلق منذ البداية على جميع الصعد، واستطعت أن أثبت لهم أنني قادر من خلال نشاطاتي ومشاركاتي الرياضية والاجتماعية، وأصبح والدي يفتح هاتفه ليري أصدقاءه مقطع فيديو لي ويقول (هيدا عبودي ابني).

معاناة التنقّل
في لبنان المؤسسات والأماكن العامة غير مجهزة لتتماشى مع وضعنا، وعلى صعيدي الشخصي كنت أرغب بالالتحاق بجامعة في بيروت، لكن للأسف لم أجد جامعة مجهزة على الأقل بطرقات للكرسي المدولب، ويروي عبدالله ما حصل معه في الامتحانات الرسمية (البريفيه)، حيث تقع قاعة الامتحانات على الطابق الثالث، (رفضت أن أصعد ليس لأنني لا أستطيع بل سجلت موقفا رافضا لهذا التعامل ولهذا التقصير من قبل وزارة التربية والمعنيين، وأجريت امتحاناتي في الملعب كسابقة لم تسجل قبل في تاريخ الامتحانات الرسمية في لبنان).
ويضيف:
الانتخابات قادمة، حتى على صعيد صوتي الانتخابي فمع الأسف المراكز الانتخابية غير مجهزة، وبالتالي هذا الأمر سيحرمني (بإرادتي) ويحرم ذوي الهمم (ذوي الاحتياجات الخاصة) من ممارسة حق من حقوقنا، وأنا بدوري لا أقبل أن يحملني أحد، بل على المسؤولين أن يجدوا حلاً دائما.

كنت أتحدى نفسي لأصل لمرحلة الاعتماد الكلي على نفسي فنجحت بصعود السلالم وحدي

أنا إنسان كامل
طوال الوقت كنت أعمل وأتدرّب وأتحدى نفسي لأصل لمرحلة الاعتماد الكلي على نفسي، فنجحت بصعود السلالم وحدي، الصعود إلى السيارة دون مساعدة، لبس ملابسي والاعتناء بنفسي، حتى انني اشتريت دراجة كهربائية وبتّ أتنقل عبرها في بلدتي، فعلت كل هذا وأكثر لأنني لا أعتبر نفسي إنسانا ناقصا، بل كل ما في الأمر أنني مختلف ولكنني كامل.

الدراسة والعمل
أنا طالب جامعي سنة ثانية باختصاص علوم الحاسوب، وأعمل في الوقت عينه في شركة بمجال التسويق الإلكتروني، وأطمح للعمل بعد التخرّج في اختصاصي، لكن في لبنان الأمر صعب لأن الشركات أيضا غير مجهزة، ناهيك عن نسبة البطالة المرتفعة.

نشاطات اجتماعية
عبدالله بعيدا عن العلم والرياضة، ناشط اجتماعي ومتحدث تحفيزي، يقول: أحضّر للقاء تحفيزي ضخم للحديث مع الشباب عن مشاكلهم وصعوباتهم وكيفية تخطيتها وسأنقل تجربتي وكيف تخطيت الصعوبات، كما أن لعبودي دور فاعل في جمعية تعني بدعم مبتوري الأطراف، وساهم عن طريق الجمعية بتأمين طرفين اصطناعيين لحالتين إنسانيتين.
رسالتي للشباب: استفيدوا من الفرص وإن لم تتوافر عليكم أن تصنعوها ولا تعتبروا السقوط النهاية!

عليكم أن تستفيدوا من الفرص إن وجدت، وإن لم تتوافر عليكم أن تصنعوها، والأهم ألا تعتبروا أن السقوط يعني النهاية، بل انهضوا واصنعوا من سقوطكم خبرة لبداية جديدة نحو طموحاتكم وأحلامكم.
يبدو أن هذا الشاب على الرغم من الصعوبات التي واجهها في حياته وضعف قدرته الجسدية، استطاع أن يصنع كل الفرق، وبات بمنزلة رسالة صارخة لجيل كامل مفادها (إذا أردت فستصل، وإن لم ترد فستصنع العذر)، عبدالله قبل كل شيء انتصر على ذاته ولم يستسلم للسقوط، وجعل من يديه جسدا كاملا، وصنع من كرسيه المدولب جناحين يطيران به نحو الحلم.

أسرتي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان
علي‭ ‬غندور

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق