حكايات من الزمن الأخضرمقالات

يشدني 2

أعزائـي:

كانت رحلتنا اليومية أنا والأخت العزيزة دلال المشعان.. كنت أتوسل أن تستيقظ دقائق قبل موعدها، وتعيد توسلي أن أعطيها خمس دقائق فقط، ثم نستقل الأوتوبيس من أمام 56 ش الجيزة إلى منطقة العتبة ونحول إلى أتوبيس ثان إلى مصر الجديدة والمواصلة الثالثة المترو لنصل إلى كلية البنات، حيث محاضراتنا.

 

وما ان تنتهي آخر محاضرة التي لا تتعدى الثانية بعد الظهر لنستقل نفس المواصلات مرة أخرى رواح ساعة ونصف الساعة وعودة ساعة ونصف على مدى ثلاث سنوات ونصف، إذا استثنيت النصف الاخير من سنة التخرج، إذ خصصت وزارة المعارف سيارة لنقلنا وتلك حادثة مرت «على البال».

غداؤنا لا نتناوله قبل الثالثة.. طباخ بيت الطالبات أجاد البرياني بنكهته الكويتية.. كانت السفرة تضم بعض الطالبات وبعضهن كن في محاضرات حسب كلياتهن ومواقعها بعد رحلة يومية مسافاتها طويلة لشدة الزحام والتنقل من أتوبيس الى آخر حتى نلتقي على الوجبة الرئيسية، وقد تكون غير البرياني المحبب للجميع.

أبلة خديجة مشرفة السكن أعطت الطباخ قائمة الأكل وضمنها «المحشي» الكوسا وورق العنب وأية مفاجأة تلك التي وقعت بين أصابعها.. حبة المحشي وهي تقضم نصفها فإذا بطرد ورقة ضمن الجزء الثاني، سحبتها زميلتنا فإذا تلك تذكرة الأتوبيس نسيها الطباخ أثناء تسوقه اليومي وشبكها بخاتمه لتكون من نصيب زميلتنا التي تركت وجبتها، ولحقنا بها مكتفيات بالبرياني.

 

ومنها ذكرى عابرة

 

أعزائي:

عندما تغيب الشمس يتوقف مخزون الذكريات، ذلك وهم.. وعندما يشرق القمر ويقال يبزغ ولكن أستشعره أنا مشرقا، تعود الذكريات مجددا دون إرهاق أو مقاطعة وإذا توقف البث خلدت تلك الى نوم قد تتواصل ساعاته القليلة أو تنقطع دون ملل، أنا عرفتها صادقة، طالبة بالصف الثالث الثانوي الأدبي، معتدلة بقامتها، رقيقة بتعاملها، جميلة لا تتعدى الحاجز بمناقشاتها إذا علت أصوات زميلاتها داخل الفصل.

كانت ضمن المجموعة المتقدمة بالتفوق، تستأذن إن أرادت استفسارا وأنا في فترة استراحة فرصة الساعة العاشرة.. كنت أنتظر دخولها لأسمع ما تريد طرحه، كان منطقها يفوق عمرها العقلي.

لم تكن لها مشكلة لأبحث لها عن حل وإنما كانت نموذجا لرقي لا أجده عند غيرها، كانت تبحث عن عقل يوازي ذكاءها، ابن عمها يكبرها بسنوات أربع أرادها له زوجة إذا أكملت الثانوية العامة وهي متلهفة لإتمام دراستها الأدبية، أما هو فمولع بالعمل التجاري وكثير بأسفاره، هي قارئة لأفضل الكتاب معاصري زمنها، كثرت جلساتي معها وزياراتها في منزلي كأخت تصغرني، لم تكن خيالية وإنما واقعية، وكما كانت تقرأ كثيرا، كانت تكتب كثيرا وكم أخفت بعض ما كتبته ضمن دفتر اختبارات المادة التي أدرسها: الفلسفة.

لم تكن محبتي لها شفقة كونها ملزمة بابن عمها وإنما محبتي لها احتراما لاتزانها وتوازنها وطاعتها لأسرتها وتعلقها بوالديها وترفض أن تعصي أمرهما ورغبتهما في قبول ابن عمها.

كنت متابعة لسنوات حياتها.. تزوجت وأنجبت ابنتها الوحيدة وانفصلت عن زوجها بموافقة أهلها، أكملت تعليمها ورفضت الزواج، ومازالت بالنسبة إلي هي طالبتي وصديقتي.. فإليها أقول:

«لا تكوني كالشمس تشرق وتغيب ولا كالقمر المضيء أياما قليلة، بل كوني عزيزتي كالنجم المنير الثابت الذي أراه كل ليلة مضيئا في سمائه».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: