تحقيقات

أشهر مشردة في مصر تلتقي ابنتها بعد 56 سنة من الفراق

 

«معانا لإنقاذ إنسان»..

حكايات تبث الأمل وتُمجِّد الحياة

أشهر مشردة في مصر تلتقي ابنتها بعد 56 سنة من الفراق

 

الحاجة فريدة أشهر مشردة في مصر كانت تجلس بجوار الجامعة الأميركية في وسط البلد. ليست متسولة ولا تمد يدها لأحد، جلست في هذا المكان 56 سنة، لا تتحرك من مكانها، كل طلبة الجامعة الأميركية يعرفونها وكل من في وسط البلد يعرفها.

الحاجة فريدة قضت عمرها على الرصيف تنتظر ابنتها التي أنجبتها من زوج لا يرحم، عندما قرر هذا الرجل وبكل بساطة أن يطلقها ويأخذ ابنتها التي تبلغ من العمر عشر سنوات من حضنها ويرحل بعيدا موهما ابنته أن أمها قد ماتت.

بحثت الحاجة فريدة عنهما في كل مكان وعندما أيقنت أنها فقدتها للأبد مرت بأزمة نفسية استمرت سنوات وسنوات جعلتها تفترش الطريق، متيقنة أن ابنتها ستأتي ذات يوم لتصطحبها معها،

أضاعت أحلى سنوات عمرها على الرصيف في انتظار ابنتها التي كبرت وتزوجت وأنجبت، بل وأصبحت جدة وهي تعتقد أن أمها قد ماتت.

فريق عمل مؤسسة «إنقاذ إنسان» بادروا بمساعدة الحاجة فريدة فأخذوها من الشارع وبعد بذل الجهد لعلاجها وعمل الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين وبالبحث الميداني

توصلوا لابنتها وتم لم شمل الحاجة فريدة بابنتها بعد 56 سنة من الفراق، والآن الحاجة فريدة تعيش مع ابنتها بعد سنوات الغياب والعذاب.

 

عندما يبكي الرجال

لم يكن حال عم منصور يسر عندما التقى به أحد أعضاء فريق «إنقاذ إنسان».

بالقرب من موقف الباصات القريب من العشوائيات وفي برد الشتاء القارس استيقظ منصور محمد سعيد (70 عاما) على لمسة يد حنونة تربت على كتفه، جلس الشاب بجوار عم منصور وسأله: لماذا تنام بهذا الشكل في الشارع؟

أجابه عم منصور: اتركني في حالي فأنا لدي ظروف وأشعر بالتعب الشديد، ومع الالحاح من الشاب انهمرت الدموع من عيني عم منصور يبكي حاله الذي ألقى به إلى الشارع.

تسمر الشاب وتمتم: عندما يبكي الرجال فإن شيئا خطيرا قد وقع، أنا لن أتركك إلى أن تحكي لي حكايتك، فسرد عم منصور حكايته على الشاب وكانت بارقة الأمل التي استقرت بعدها حياته.

 

عم منصور أحد المشردين: هدفنا مصر بلا جياع..بلا مشردين

 

كان عم منصور يسكن في العشوائيات، وعندما قررت الدولة أن تهدم العشوائيات وتوفر سكنا لقاطنيها، لم يملك عم منصور أي أوراق ثبوتية تمكنه من الحصول على سكن خاص به وبعائلته.

سعى كثيرا لكنه لم يحصل على شيء، فلم يجد أمامه سوى موقف الباصات القريب من العشوائيات التي كان يقطنها مأوى له، إلى أن التقى ذلك الشاب الذي غير مجرى حياته.

أخذه ذلك الشاب إلى مأوى مؤسسة «إنقاذ إنسان»، وحسب الاجراءات المتبعة لديهم تحمم وحلق شعره وبدل ملابسه. نظر عم منصور حوله فوجد العاجز والضرير والمشلول،

هنا قرر أن يبدأ في خدمة من حوله، فيسقى هذا ماء ويساعد ذاك في الحركة وهكذا، وحلم عم منصور أن يكون هذا المكان أكبر ليأوي جميع المشردين الذين هم بحاجة لرعاية ومأوى، وكانت المؤسسة مازالت في بداية انشائها،

كان عم منصور مريضا فقامت المؤسسة بمداواته وفكر عم منصور أن الله سبحانه وتعالى أرسل له هذه المؤسسة لتنهي آلامه وأوجاعه،

ومع الأيام كبرت المؤسسة وزادت أعداد المشردين وتم افتتاح أكثر من فرع لإيواء المشردين فقرر عم منصور أن يقضي بقية عمره في خدمة هؤلاء المشردين كنوع من تكفير الذنوب.

يقول عم منصور: في الشارع تعف منا الحشرات والحيوانات وكثير منا كانوا يموتون على الأرصفة ولا يلتفت اليهم أحد إلى أن يتحللوا وتفوح رائحتهم، أما هنا فقد وجدنا حقنا في الحياة وأعادوا لنا كرامتنا،

عدنا إلى الحياة مرة أخرى بعد الموت. وبدأنا نكبر ونحلم بمكان كبير يضم كل المشردين وأصبحنا حديث العالم. هدفنا مصر بلا جياع، بلا مشردين. أصبحت هذه قضيتي كما هي قضية المؤسسة التي أعمل بها منذ ثلاث سنوات فالجريمة سببها الرئيسي الجوع.

 

بعد أن حاول الانتحار عدة مرات.. حمدي: أصبح لدي أمل في الحياة

أما حمدي السيد حسين (42 سنة) فيقول: كنت أعيش مع إخوتي في شقة بحدائق القبة، وكانت هناك مشاكل بيني وبين إخوتي بسبب الميراث واختلفنا،

فسافرت الاسكندرية وعندما عدت وجدت الشقة فارغة وقال لي مالك البيت إن إخوتي باعوا له البيت وهذا هو عقد البيع، سقطت أرضا ورميت في الشارع ولم أجد أي شخص بجانبي، الصدمة أصابتني بالشلل،

كنت أزحف إلى أن عطف علي شخص في الشارع وأعطاني عكازا لأسند إليه، عملت سايس سيارات وكان الشارع بيتي والرصيف وسادتي، إلى أن جاءت صحافية شابة تركن سيارتها فأخذتني لمؤسسة «إنقاذ إنسان»،

حيث تم اجراء عمليتين جراحيتين لي في قدمي ومفصلي وبدأت أتحرك بشكل طبيعي مره أخرى، والآن الحمد لله أعمل في الدار وأتلقى مرتبا وخطبت فتاة من الدار.

يضيف حمدي: أصبح لدي أمل في الحياة، كنت أعيش بدون أمل وحاولت الانتحار عدة مرات، فحياة الشارع حياة صعبة جدا، كنت أعيش مهددا أن يتعدى عليّ شخص ليأخذ العكاز الذي بحوزتي.

أما الآن فالحمد لله أعيش عيشة كريمة، آكل وأشرب وأنام وأتلقى العلاج وكذلك أعمل وسأبدأ حياة جديدة مع خطيبتي، ولا أعلم ماذا كان مصيري لو لم أقابل المهندس محمود وحيد رئيس المؤسسة، كان من الممكن أن يتم استدراجي لأخذ أعضائي أو استمررت في النوم على الرصيف إلى أن يتوفاني الله.

 

الأستاذ محمود.. زوجته وأبناؤه ألقوا به في الشارع بعد أن أصيب بجلطة وهو يقول: «أنا غلطان»

أستاذ محمود كاتب حسابات، كان يعمل في إحدى الدول العربية في مكتب سفريات، عاش في الغربة 25 سنة، تزوج وأنجب وعاش حياة كريمة، لكن الحياة كانت تخبئ له مصيرا آخر.

الأستاذ محمود ابتلاه الله بأصدقاء سوء سحبوه لطريق الادمان، شرب كل أنواع المخدرات في الغربة،

عاد إلى مصر بعد كل تلك السنوات خالي الوفاض، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، وبدأ يبحث عن المخدرات في مصر، كان يؤذي زوجته وأبناءه ويبيع أغراض منزله،

وكان يرسل ابنه الذي يبلغ من العمر 14 سنة ليأتي له بالمخدرات والا فانه يضربهم ويؤذيهم إلى أن أصيب بجلطة في المخ نتيجة جرعة مخدرات.

يقول الأستاذ محمود: بعد أن أصبت بالجلطة لم أعد أستطيع أن آتي بالمال ولم أعد أستطيع أن أدفع ايجار بيتي أو أن أطعم أبنائي، وليس لدي نقود لأعالج نفسي من الجلطة التي سببت لي شللاً نصفياً.

اضطرت زوجتي لأن تأخذ أبنائي وترحل إلى أمها وتركوني في الشارع أواجه مصيري لأنهم لا يملكون المال ليطعموني أو يعالجوني، نمت في الشارع شهرا ونصف الشهر كان يعطف عليّ المارة فيطعمونني.

ويواصل الأستاذ محمود: كنت أجلس أمام قهوة، وذات يوم شاهدت برنامجا تلفزيونيا في القهوة يتحدث عت مؤسسة «إنقاذ إنسان» فطلبت هاتفا من أحد الجالسين في القهوة وطلبت الرقم المكتوب على الشاشة وأخبرتهم قصتي وطلبت منهم المساعدة.

في اليوم التالي جاء المهندس محمود وحيد وأخذني للدار منذ سنتين، خضعت لعمليتين جراحيتين في الفقرات وفي عيني والآن أخضع للعلاج الطبيعي، لكن أهم ما عالجوني منه هو الادمان، وكل أمنيتي في الحياة هو أن أستطيع المشي على قدمي مرة أخرى.

الأستاذ محمود كان يجلس في شرفة الدار يعاني من الاكتئاب، لكنه لم يمتنع عن الحديث معنا لأن لديه رسالة يريد أن تصل للناس، رسالة لأبنائه، ورسالة لكل شاب جرفته الحياة وألقت به على أعتاب الإدمان.

يقول الأستاذ محمود:عشت حياتي كلها مبتلى بهذا الداء، يكذب من يقول  إنه يستطيع أن يترك هذا الطريق دون مساعدة، وأنا لم أتقبل المساعدة.

اليوم وبعد أن أصبت بالجلطة ورميت في الشارع مشلولا استطعت أن أترك المخدرات للأبد، منذ سنتين وأنا لم أقترب منها ليس بإرادتي لكن رغما عني، لذلك أقول لكل شاب يسلك هذا الطريق أرجوك  ابتعد  عن المخدرات.

ويستدرك الأستاذ محمود قائلا:  أما أبنائي فأقول لهم « لو عاد بي الزمن لكنت سأعتني بكم..أنا غلطان».

 

محمود وحيد.. اختارته «اليونيسيف» سفيراً للسلام والإنسانية

المهندس محمود وحيد رئيس مجلس امناء مؤسسة «معانا لإنقاذ إنسان» والحائز  لقب «صانع الأمل العربي» لعام  2018 والتي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

مجلة «أسرتي» التقت به وكان لنا هذا اللقاء:

في البداية كلمنا عن فكرة مؤسسة «معانا لإنقاذ إنسان» كيف جاءت؟

– الفكرة جاءت وليدة اللحظة، منذ أربع سنوات بدأت  مبادرة ثم تحولت الى مؤسسة منذ عامين، وكان ذلك عندما رأيت رجلا مسنا ومشردا بالشارع، وحاولت مساعدته ولكني لم أجد أي جمعية أو مؤسسة لخدمة هذه الفئة،

فقررت ومجموعة من الاصدقاء إنشاء كيان لإنقاذ «المشردين بلا مأوى من كبار السن»، وذلك على الرغم من وجود آلاف المؤسسات المهتمة بالأطفال المشردين.

فكان هدف مؤسستنا دعم كبار السن وتوفير المأكل والمشرب والملابس والاقامة، علاوة على الرعاية الطبية فنحن نجتهد لتوفير حياة كريمة لتلك الفئة.

ولفت الى أن المؤسسة قائمة على الجهود الذاتية دون ان تكلف الدولة أي شيء، فلدينا حتى الآن ثلاثة مقرات لرعاية الحالات التي تم انقاذها من المشردين.

 

ما الصعوبات التي واجهتك لتنفيذ الفكرة؟

– استخراج تراخيص للمؤسسة كانت أولى الصعوبات لتقديمها خدمة فريدة وجديدة، وبشكل قانوني، وبالفعل أخذت أول تصريح في تاريخ مصر بإنشاء مؤسسة لرعاية المشردين من كبار السن.

 

ما أصعب المواقف التي مرت عليك؟

– أصعب المواقف  حالات لمشردين ظروفها الصحية صعبة جدا إلا أننا نعجز عن تقديم المساعدة لتأخر الحالة الصحية وتدهورها.

كل حالة تعاملت معها تصلح لفيلم سينمائي

 

صادفت نماذج كثيرة وقصصا إنسانية عديدة، فما القصة التي توقفت أمامها كثيرا؟

– كل حالة خلفها قصة كبيرة تصلح لفيلم سينمائي، ولكن من أغرب القصص قصة الحاجة فريدة التي ظلت أكثر من نصف قرن في الشارع تنتظر ابنتها بعد انفصالها عن زوجها،

فاصيبت بحالة نفسية دفعتها لانتظار عودة ابنتها لاحضانها لمد 56 سنة بالشارع، ونجحنا في ضمها للمؤسسة ولمّ شملها بابنتها بعد نشر قصتها على السوشيال ميديا.

وتابع أن هناك حالة لأحد كبار السن تم ضمه للمؤسسة لنكتشف بعدها أنه رجل أعمال ثري تخبطت به الحياة وتركه أولاده ليسكن الشوارع والارصفة وبعد تقديم الرعاية والعلاج تم الاتصال بذويه وعاد اليهم ليكمل مشوار حياته مرة أخرى.

كما أن هناك حالة فريدة لمطرب مشهور تعرض لأزمة نفسية اضطر على اثرها الى الخروج للشوارع والمكوث بها لعدة سنوات حتى تم ضمه للمؤسسة لنكتشف حقيقة أمره وكان حريصاً على أن يخفيه إلا أنه وبعد جلسات العلاج وإحساسه بالأمان عاد لطبيعته وبدأ حياته من جديد.

 

كيف كان ترشحك لجائزة «صناع الأمل»؟

– قام عدد من المتطوعين العاملين بالمؤسسة معي بترشيحي لنيل جائزة صناع الامل، واتصل بي منسقو جائزة صناع الامل وبدأت الرحلة.

 

هل كنت تتوقع الفوز؟

– لم أتوقع الفوز أبداً فقد كانت أعداد المشاركين كبيرة جدا وصلت الى 87 ألف مشارك، ولكن بفضل الله وتوفيقه ثم صدق ما نقوم به فقد حصلنا على اللقب «صانع الامل».

وأعرب عن سعادته البالغة للفوز بهذه الجائز، معتبرا أنها جاءت تتويجا لجهود المؤسسة في مجال العمل الخيري والإنساني.

وأكد أن تلك الجائزة المادية سيتم توجيه نسبة منها لدعم المؤسسة وخدمة الحالات الإنسانية مساهمة في انهاء معاناتهم التي فرضتها عليهم ظروف الحياة القاسية.

 

صف لنا شعورك لدى لقائك بسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

– سعدت كثيرا بلقاء الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، باعتباره من الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي، كما سعدت بدعمه للعمل الإنساني وإشادته بالفكرة، وطلب الاستمرار فيما أقوم به من عمل إنساني، وان الاستثمار في صناعة الأمل هي الأكثر مردودا لمستقبل أفضل في الوطن العربي، باعتبارها الصناعة الوحيدة التي لا يمكن أن يخسر أحد فيها.

 

هل حصلت على أي جوائز  أو  تكريمات أخرى؟

– عينت سفيرا للسلام والإنسانية حول العالم من قبل منظمة اليونيسيف العام الماضي، كما تم تكريمي خلال مؤتمر الشباب الوطني بالاسماعيلية، كأفضل نموذج للعمل التطوعي في مصر خلال عام 2017.

 

ما خططتك في المرحلة المقبلة؟

– التوسع في المبادرة لتشمل كل محافظات مصر حتى تصبح خالية من المشردين، وإنشاء دار في كل محافظة.

 

سعادتي في رؤية الابتسامة على وجه من ظن أن الحياة تخلت عنه

 

أدخلت بهذا العمل السعادة على الكثيرين، فما الذي يسعدك أنت شخصياً؟

– سعادتي في رؤية الابتسامة على وجه من ظن أن الحياة تخلت عنه، وأقول لمن ضاقت بهم الدنيا «انك لست وحدك، فالخير لايزال موجودا، وسيظل الى يوم الدين».

 

رسالتك للشباب العربي.

– أتمنى أن يحمل كل شاب هموم وطنه وأهله، وأن يكونوا طاقة إيجابية في خدمة مجتمعاتهم بأي فكرة تعود بالنفع على أبناء الوطن، واستثمار طاقاتهم في مد يد الخدمة والدعم لمن هم بحاجة لها، وأن يسعوا لتحقيق تغيير إيجابي بمجتمعاتهم، مختتما حديثه بمقولة «ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط».

 

«أسرتي» في كل مكان

نسرين خورشيد

غادة عوني – مصر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق