أزياء وموضةالنصف الحلو

إمبراطورية Marchesa للأزياء تستعيد مكانتها

بعد فضائح هارفي واينستين

جورجينا روز تشابمان وكيرين كريغ صديقتان جمعتهما أيام الدارسة الجامعية وقربتهما دار ماركيزا للأزياء التي أنشأتاها بعد تخرجهما في كلية تشيلسي للفنون والتصميم بسنوات معدودة فيما اظهرت محنة إحداهما معدن الأخرى لتكونا مثالا للصداقة الوفية التي لم تهزها الاحداث بل زادتها صلابة على الصعيد الشخصي ونجاحا على الصعيد المهني، ولكن ما قصة نجاح علامتهما التجارية Marchesa المتخصصة في تصميم ملابس السهرة وفساتين الافراح وبعض الاكسسوارات والعطور:

 

بداية القصة.. زمالة الكلية

تبدأ القصة مع مصممة الأزياء ونجمة هوليوود البريطانية جورجينا تشابمان التي ولدت في 14 أبريل 1976 بمدينة لندن من أبوين مرموقين في المجتمع الانجليزي، فوالدتها هي الصحافية كارولين ونفر ووالدها رجل الأعمال المليونير بريان تشابمان صاحب شركة «بيركول» للبن الطبيعي.

نشأت الفتاة في مدينة ريتشموند غرب لندن وكانت سعيدة بحياتها رغم معاناتها مع مشكلتي الديسليكسيا أو صعوبة القراءة والكتابة وأيضا العيب الخلقي الذي ولدت به في أصابع قدميها ولكنها تجاوزتهما مع الوقت بالتدريب والعلاج. وفي العشرين من عمرها عملت تشابمان  عارضة للأزياء ولبعض الإعلانات المتنوعة منها اعلان الشامبو المضاد للقشرة هيد اند شولدر واعلانات اخرى لمنتجات خاصة بعلاج الحلق.

التقت جورجينا بشريكتها المستقبلية وصديقة عمرها لاحقا  كيرين كريغ ، بينما كانتا تدرسان في كلية «تشيلسي» للفنون والتصميم وفي عام 2001 بدأت الفتاة الطموحة حياتها المهنية  مصممة للأزياء وكان ذلك بعد تخرجها في مدرسة «ويمبلدون» للفنون لتبدأ رحلتها الحقيقية في عالم الأزياء والموضة حيث بدأت بتصميم ملابسها المسائية التي لاقت اعجابا شديدا، ليمتد ذلك إلى خارج محيطها العائلي.

في عام 2004 قررت تشابمان التوسع في عملها حيث اتفقت وصديقتها كريغ على تأسيس دار للأزياء أسمياها «ماركيزا» تيمناً بالسيدة مركيزا لويزا كاساتي وهي إحدى شخصيات المجتمع الأوروبي الراقي في بدايات القرن العشرين وكانت تُعرف بهوسها بالموضة ورعايتها لكل أشكال الفنون.

انطلقت الدار بسرعة الصاروخ خصوصا بعد زواج تشابمان في 2007 من المنتج السينمائي الاميركي الشهير هارفي واينستين الذي كان يكبرها بـ 20 عاما، حيث كانت الماركة التي يفضل معظم نجمات هوليوود ارتداءها في المناسبات العامة وخصوصا حفلات توزيع الجوائز على السجاد الأحمر.

واستمرت امبراطورية «ماركيزا» في الازدهار والتوسع، حيث افتتحت خطوطا موازية لتصميم حقائب اليد والعطور ومستحضرات التجميل، بل تعدت ذلك كله لتدخل في تصميم اواني الطعام وبعض اكسسوارات المنازل.

خلال تلك الفترة الوجيزة افتتحت الدار عدداً من البوتيكات في عواصم الموضة المختلفة خصوصا بعد انتقال تشابمان للعيش مع زوجها في نيويورك.

في عام 2014 زارت المصممة جورجينا مراكز ايواء اللاجئين السوريين في الأردن

الشهرة والموضة تدعمان مسيرتها الخيرية

ولم يكن توسع تشابمان على صعيد الموضة فقط، بل كانت لها نشاطات إنسانية في شتى المجالات من بينها دعم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حيث كانت داعمة لها بشكل كبير، ففي عام 2014 زارت المصممة برفقة الكاتب الاميركي نيل غيمان مراكز ايواء اللاجئين السوريين في الأردن، حيث قضيا وقتا طويلا مع ضحايا الحرب في سورية واطلعا عن كثب على شهاداتهم الحية والمعاناة التي يعيشونها، وهو ما ساعدهما بعد التقاط الصور وتصويرمقاطع الفيديو التي توثق حجم معاناة الاطفال والشباب وكبار السن التي جمعاها على تشكيل سلسلة من مبادرات التواصل وجمع التبرعات والتأييد والتي ساعدت على حشد الدعم والتعاطف والتفهم لأزمة اللاجئين هناك.

روقد وصفت تشابمان حال اللاجئين في المذكرات التي دونتها عما شاهدته في مخيمات اللاجئين قائلة: لقد أدركت أنه على الرغم من أن هؤلاء الشبان والشابات يعيشون في ملاذ آمن الآن، إلا أنهم مازالوا في وضع صعب للغاية، إذ لا يمكنهم الاستقرار ولا المغادرة… لا يمكنهم العمل ولا أن يكملوا دراستهم، إن مستقبلهم يشوبه الغموض مما يصعّب دون شك الشعور بالأمل. وعلى الرغم من ذلك، هناك حس مدهش بالقدرة على الصمود في المخيم نظراً لما يمتلكه هؤلاء الأشخاص من قوة.

واستمرت المصممة وصديقتها كريغ في صعود كبير، حيث وصلت علامتهما التجارية إلى الصفوف الاولى لتنافس أعرق دور الأزياء ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فمن هذا الصعود المطرد إلى الهبوط المدوي بسبب فضيحة التحرش الجنسي التي طالت زوج تشابمان والتي رجت الولايات المتحدة بأسرها فهو لم يكن مجرد منتج سينمائي فقط، بل أحد الداعمين الرئيسيين للحزب الديموقراطي ولحملتي باراك اوباما وهيلاري كلينتون الرئاسيتين.

فضحية الزوج وانهيار الزوجة

في أكتوبر من عام 2017 كشفت صحيفتا نيويورك تايمز والنيويوركر أن أكثر من 80 سيدة من العاملات في مجال صناعة السينما اتهمن هارفي بعدد من التهم من بينها  التحرش أو الاعتداء الجنسي أو الاغتصاب على مدار 30 عاما من عمله في هذا المجال، وقد تم التحقيق الجنائي في ست شكاوى على الأقل في لوس أنجيليس ونيويورك سيتي ولندن والتأكد منها قبل إلقاء القبض عليه في مايو 2018 بمدينة نيويورك ومن ثم الافراج عنه شرطيا.

وقد جاءت الطامة الكبرى برواية بعض نجمات هوليوود الشهيرات عبر مواقعهن الاخبارية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي لما بدر من المنتج من تصرفات مشينة ومحاولات للتحرش أو التهديد لمن يرفضن، من بينهن الفنانة المكسيكية سلمى الحايك والنجمة العالمية أنجلينا جولي.

وقد تمت الإطاحة بالمتهم واينستين من رئاسة شركته الخاصة، كما تم طرده من أكاديمية فنون السينما والعلوم وغيرها من الجمعيات المهنية واختفى تماما عن الانظار إلى أن بدأت محاكمته في منتصف العام الماضي.

وما زاد الطين بلة هو اعتباره شخصية مؤثرة في مجال صناعة السينما الأميركية، فقد أدت التداعيات الدولية لهذه القضية التي تم الترويج لها بشكل كبير، في جميع أنحاء العالم إلى العديد من المظاهرات النسوية والتعبئة الاجتماعية الضخمة على شبكات التواصل الاجتماعي، ما أدى إلى اتهام العديد من الشخصيات العامة النافذة بتهم مماثلة ومن ثم الإطاحة بالعديد منهم من مواقعهم في قطاعات متعددة مثل وسائل الإعلام والسياسة والترفيه.

كما دفعت تلك القضية بعدد من سيدات الطبقة المخملية لعمل حملات شعبية مكثفة مناهضة لاستغلال حاجة المرأة للعمل والتحرش بها جسديا أو لفظيا، حيث أسسن مواقع على شبكات التواصل الاجتماعي تبادلن من خلالها تجاربهن الخاصة بالاعتداء الجنسي أو التحرش والاغتصاب للحد من تلك الممارسات الشاذة، من بينها حملة «MeToo» التي تدعمها بقوة الاعلامية العالمية أوبرا وينفري والتي تشارك فيها تشابمان بعد تأكدها من التهم الموجه إلى زوجها آنذاك وقبل ان تنفصل عنه.

ولم تتوقف الدعوات النسوية على مناهضة التحرش فقط، بل طالت أيضا علامة ماركيزا التجارية، حيث دعت بعض السيدات من بينهمن نجمات من هوليوود إلى مقاطعة أزياء الدار، مدعيات أن واينستين كان يفرض عليهن ارتداءها في المناسبات العامة ارضاء لزوجته وهو ما تسبب في الغاء تشابمان وشريكتها كريغ لعرض الأزياء الذي كان مقررا عرضه في اسبوع نيونيورك للموضة في فبراير 2018.

في تلك الأثناء قررت المصممة الاختفاء عن الانظار تماما، حيث تركت منزل الزوجية بنيويورك وانتقلت إلى لوس انجيليس ومن ثم سافرت إلى انجلترا لتظهر بعد سبعة اشهر في أول لقاء لها مع مجلة الفوج البريطانية لتعرب عن اشمئزازها من تصرفات زوجها المشينة وصدمتها من الفضحية التي لم تطله وحده، بل لحقت بها وستظل عارا على اطفالها.

وقالت خلال المقابلة التي أجريت في منزلها في غرينيتش فيلدج، حيث كانت تقيم مع واينستين قبل أن ينفصلا «أشعر أحيانا بالغيظ الشديد وأحيانا أخرى بالاضطراب وأمر بمراحل عدم تصديق… أبكي أحيانا على طفلي وأتساءل كيف ستكون حياتهما؟ فهما يحبان والدهما.

وأضافت أنها مازالت تعاني من آثار الصدمة فقد كان  زواجهما سعيدا ولم تكن تتوقع أبدا ما حدث، خصوصا  أنه لم يكن فقط زوجها بل كان صديقا لها وكاتما لأسرارها وداعما دائما لها.

ووصفت المصممة نفسها «بالساذجة جدا» وبالاتهامات التي وجهت لزوجها «بالمشينة التي لا تغتفر»، معربة عن ألمها وحزنها الشديد لكل من عانت من تعديات زوجها ولكنها رفضت أيضا أن ينظر إليها كضحية بل هي «امرأة في وضع صعب وان كان ليس فريدا من نوعه». في إشارة إلى تعرض بعض الزوجات لخيانات زوجية مشابهة.

ويبدو أن موقف تشابمان من زوجها وطلاقها منه قد دفع بالكثير من السيدات إلى دعمها ودعم ماركيزا، خصوصا بعد ارتداء الممثلة سكارليت جوهانسون تصميما من علامتها التجارية في حفلة «ميت» الساهرة الشهيرة مما اعتبر رسالة منها لدعم تشابمان.

من الصداقة إلى الشراكة فالدعم

ولم تتوقف المصممة كريغ وشريكة تشابمان في الدار عن دعم صديقتها ولو للحظة واحدة رغم ما أصاب عملهما من أضرار مالية جراء فضيحة زوج شريكتها بل كانت تقف في ظهرها لها طوال الوقت حيث قالت في لقاء لها انها تحسد صديقتها على قوتها وعلى قدرتها على التعامل مع تلك الأزمة العنيفة بهذا القدر من الحكمة رغم ما تعانيه من صدمة حقيقية، مشيرة إلى انها تقضي كل وقتها بين العمل وتربية أطفالها.

وأضافت كريغ انها لم تلحظ أبدا أي سلوك غير لائق من طليق صديقتها، بل كان يكن لها كل احترام بحكم علاقتهم الاسرية الوطيدة، مشيرة إلى أنه كان يدعم الدار بحكم علاقته وقدرته على الادارة ولكنه لم يكن شريكا بأي شكل من الاشكال.

وبالتزامن مع إعلان طلاق تشابمان من واينستين أطلقت الدار عروضها الموسمية للأزياء لتعود من جديد إلى الواجهة وتعاود مسيرتها وسط التحديات الصعبة التي لا تزال تواجهها   بين الحين والآخر.

هل تعوض ملايين واينستين معاناة تشابمان؟

في يناير من العام الماضي توصل محاميا  الزوجين المنفصلين واينستين وتشابمان إلى تسوية مالية تترواح قيمتها   بين 19 و25 مليون دولار مقابل طلاقها المرجح أن يتم خلال العام الحالي، ولكن السؤال المطروح حاليا هو: هل يمكن ان تعوض تلك الملايين الجرح الغائر في قلب الزوجة والمصير المجهول لطفليها؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق