عزيزتي غنيمةمقالات

بقلـم: غنيمـة فهـد المـرزوق (رحمها الله)

إنها إرادة الحياة ثم الحبّ

 

عزيزتي غنيمة:

أكتب لك قصتي وحيرتي.. لعلي أجد في كلماتك بعض الهدوء الذي ضاع مني للأبد.

أنا فتاة على أبواب العشرين من العمر، أعيش في بيت متشدد، ليس فيه من يؤمن بحق البنت في أن يكون لها عقل أو قلب أو عاطفة.. وأنا لا أملك حيلة في تغيير هذه الأوضاع بأي شكل من الأشكال، فأنا فتاة ضعيفة في كل شيء، صحتي متدهورة، ولوني أسمر، وقامتي قصيرة، وجسمي ناحل، حتى إنني أبدو طفلة في العاشرة لا فتاة في العشرين – سن الشباب والنضارة.

وأنا عندما أتكلم لا يكاد صوتي يخرج من حلقي إلا وأنا على وشك الإغماء.. ومن هذا ترين أنني لا أملك قوة أقاوم بها أي وضع جائر يحيط بي.. فعندما أخرجني أهلي من المدرسة وأنا لم أبلغ الرابعة عشرة استسلمت للأمر، رغم أنني كنت أحب المدرسة وكنت أحلم بمستقبل آخر أكمل فيه دراستي حتى آخر الشوط، وعندما حرّم علي أهلي الخروج من البيت، أو الحديث مع أحد، أو زيارة أي صديقة، لم أجد في نفسي القدرة على الاعتراض أو المطالبة بأدنى حق من حقوقي، لأن صرخة من أبي كافية لشل جسمي عن الحركة ولساني عن الكلام.

وفي حياة الوحدة والعزلة والضعف انطويت على نفسي ولم تكن لي سلوى سوى القراءة، قراءة كل شيء تقع عليه عيني، وغير القراءة لم أجد مهربا من السجن إلا بالأحلام، أحلام أسرح بها في الخيال، وأهرب بعيدا عن الواقع المر الذي أعيشه.

كنت أحلم بالحب، والزواج والأطفال، أحلم ببيت جميل هادئ رسمته ركنا ركنا في خيالي،  وأقرأ الكتب عن الحياة الزوجية ومشاكلها، لأتزود بمعرفة تساعدني على أن أكون المرأة المثالية في حياة الرجل الذي سأهبه كل ما في قلبي من حب وإخلاص.

وهذا الرجل.. من هو؟ وكيف هو؟ وأين هو؟ كل هذه الاستفسارات كنت أبحث لها عن جواب في الخيال الواسع الذي أصبح عالمي المحبب.. كانت أحلامي تسرقني ساعات طوالا لا أفيق منها إلا على صوت والدي ينهرني، أو يناديني.

ولكن حدثت المعجزة وجاءني الإنسان الذي كنت أحلم بوجوده، حقا لم يكن هو الإنسان الكامل كما كنت أقرأ عنه وأحلم، بل كان إنسانا تعسا مثلي، معذبا مثلي، مريضا مثلي.

إن قصته محزنة، عاش طفولة مريضة معذبة، وكطفل مريض كان يلقى العناية الشديدة من والديه، كانوا يشفقون عليه ويتحملون نزواته، بل لا يرفضون له طلبا، ولا يعارضون له إرادة.. كان مرضه هو قوته وسلاحه، يفرض به كل شيء على من حوله، وشب مريضا مدللا، حتى انه عندما سئم الدراسة وهو في الرابعة عشرة ترك المدرسة دون أن يجد من يحاول إقناعه بالعدول، عن تدمير مستقبله.. ترك الدراسة ولم يحاول أن يجد له مكانا في الحياة فضاع.. نعم ضاع مع رفاق السوء، تعلم وهو في سن المراهقة كل أنواع الانحراف، كان يعيش بلا هدف، وبلا رادع أو موجه، أهله كانوا يتحاشون رده أو نصحه، كان في نظر الجميع ميتا يستمتع بآخر رمق.. لقد تعودوا ألا يضغطوا عليه خوفا من إرهاق أعصابه المريضة، واستمر هذا الوضع دون تغيير حتى انحرف الشاب وساء انحرافه، وزادت صحته سوءا وتدهورا.

في هذه الظروف عرفته، ورغم التشدد الذي يحيط بي من كل جانب فقد كان ممكنا أن أراه، وأحيانا أجلس معه ونتحدث معا، فهو ابن جيراننا وأصدقاء العمر، ونكاد نكون شبه أهل، ولذلك فأهلي يعرفونه ويعطفون عليه منذ طفولته، ولذلك فالكلفة مرفوعة بالنسبة له بالذات.

وهكذا وضعته الظروف في طريق حياتي، وبدأت عواطفنا تأخذ في الظهور ببطء شديد، كنت دائما أحاول أن انتشله من الاتجاه الذي يسير فيه، فكان يسمع ويسكت ثم بدأت ألح عليه وأتوسل اليه أن ينقذ نفسه، فكان في بادئ الأمر يستغرب هذا الاهتمام مني أنا بالذات، بينما أهله تركوه وشأنه لا أحد يسأله أو يهتم به.

كنت أبكي ولا أتكلم عندما يسألني عن السبب لحرصي عليه، وعلى حياته وصحته.

وبدأ يحاول التعديل في حياته وأنا بجانبه أدعو وأصلي وأتلهف، حتى شاء الله أن يستجيب لدعائي وأقلع عن كل الرذائل، وبدأ حياة هادئة مستقيمة، وتغير تغيرا كليا، وتقدم للعمل بالحكومة وحصل على وظيفة لا بأس بها، ودرس في إحدى الدورات وتحسن وضعه وراتبه، تغير كليا في كل شيء، حتى في تفكيره وفي طريقة كلامه، وأخيرا جاءت اللحظة التي كنت أنتظرها، إذ أخبرني أنه سيتقدم لطلبي من أبي.. وسألني عن رأيي في الموضوع.. وبدلا من أن أطير فرحا وأعلن سعادتي له وللدنيا كلها.. وجدتني أبكي بعصبية، وأرفض الزواج منه، وأنا أصرخ كالمجنونة.. فوجئ بتصرفاتي حتى شك أن في الأمر شيئا.. ولكنها مخاوفي التي تغلبت عليَّ.

خوفي من المستقبل ومنه ومن نفسي.. أخاف أن يموت حبه لي بعد الزواج ويتركني ويعود لأصدقاء السوء.. إنني أرى صديقاتي المتزوجات يعشن في تعاسة من إهمال الأزواج وقسوتهم بعد أن بدأت حياتهن بسعادة لا مزيد عليها. إنني أرى أبي كيف يترك أمي للعذاب والقلق ليسافر وهو يهدد بأنه سيتزوج في الخارج.. إنني ضعيفة وهزيلة ولكنني مقبولة الشكل وأعلم أنه يحبني والله يعلم بمقدار حبي له، ولكنني لا أتحمل حتى التفكير في العذاب الذي سأقاسيه لو حطم أحلامي وواجهني بالغدر الذي أراه مصير معظم الزوجات..

هل أنا مريضة نفسيا؟ هل أنا غير كل الناس؟ إنني محتارة في أفكاري وفي حياتي، والإنسان الوحيد الذي أحبني يعيش معي في نفس المحنة.. فماذا أفعل؟

المعذبة: أ.ب.هـ – المرقاب

 

يحدث أحيانا يا صديقتي أن يفقد الجندي الذي خاض معركته بشجاعة نادرة وبطولة خارقة شجاعته وتخونه أعصابه في ساعة النصر العظيمة.

هذا المقاتل الهادئ في ظل النار والخطر والموت يتحول فجأة الى طفل يبكي بحرقة ويخر فاقد الوعي عندما يرى باقات الورد تعلق في رقبته وأوسمة النصر توضع على صدره، وكأن الورد حول رقبته حبل المشنقة والأوسمة حراب العدو تدق في صدره.

كثيرا ما يحدث هذا خاصة بعد الانفعال الكبير وفي لحظات السعادة الطاغية.

ولكن المقاتلة الشجاعة التي حولت سجنها القاسي الى مدرسة تتعلم فيها وتقرأ، وحياتها الموحشة الى حلم بالسعادة وبخطط المستقبل، وضعفها البدني الى مقاومة لا تقهر.. المقاتلة التي انتشلت رجلها البائس من المرض والانحلال والفوضى الى عالم من الأخلاق والمثالية والحب.. الفتاة التي مزقت إرادتها صور الأجساد الرخيصة، وحطمت زجاجات السم الأصفر.. هذه المقاتلة تستطيع خوض معركتها حتى النهاية والنصر.

لست أقول لك إن الحياة بعد الزواج في سهولة الأحلام وبهجتها، ولا  هي بالحب الصافي لا يشوبه قلق أو توتر.. ولكننا رغم معرفتنا بكل الاحتمالات لا نملك إلا أن نواجهها.. لأن الحب والأحلام كلها تصبح لا شيء بدون الزواج.. إن كل ما قبل الزواج هو تمهيد له ولا يصلح أبدا بديلا عنه.. فالحب طريق يؤدي للزواج، ونحن نسير في الطريق لنصل الى نهايته، أما أن نكتفي بالسير وعندما نصل نهرب، عندما نجد أنفسنا أمام الهدف نلتفت ونفر مذعورين.. فهنا يكون الأمر غير طبيعي ولا منطقي.. فتزوجي يا عزيزتي فورا وبالسلاح الذي تغلبت به على كل صعاب الماضي، ستجدين به النصر على كل مشاكل المستقبل.. إنها إرادة الحياة ثم الحب.

 

عام 1968

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: