ثقافةعصير الكتب

«رمضان» في الرواية العربية.. عبادات وعادات وحكايات بنكهة أصيلة

بحضور واسع، حظي شهر رمضان المبارك بإبداعات عديد من كتاب القرن العشرين، بينما لا يكاد يشكل حضورًا ملموسًا في إبداعات الكُتّاب الجدد.

وتعد رواية «في بيتنا رجل» للأديب الراحل إحسان عبدالقدوس من الأعمال المهمة التي دارت أحداثها خلال الشهر الكريم، وأيضًا عن العديد من روايات نجيب محفوظ مثل «زقاق المدق» و«المرايا»، فضلًا عن إبراهيم عبدالمجيد في روايته «لا أحد ينام في الإسكندرية».

«أسرتي» تطوف حول عدد من الأعمال التي رصدت ملامح حياتية من رمضان بنكهة أصيلة.

 

«في بيتنا رجل»

نبدأ مع الرواية الأشهر في تصوير شهر رمضان وارتباط خطوطها مع دراما الحدث التي يجسدها الكاتب إحسان عبدالقدوس من خلال روايته «في بيتا رجل».

في هذه الرواية اتخذ عبدالقدوس من أيام شهر رمضان إطارًا زمنيًا لأحداث الرواية التي استلهمها من استشهاد الفدائي المصري إبراهيم حمدي الذي ظل حتى استشهاده يقاوم الاحتلال البريطاني حتى أضحى بطلًا شعبيًا تتردد سيرته على ألسنة الشباب ومثلًا أعلى لجيل بأكمله.

ووظف عبدالقدوس عادات الشهر الكريم بداية من التجمع العائلي وعدم تواجد الناس في الشوارع أثناء فترة الإفطار وغيرها من الأحداث الرمضانية لخدمة أحداث روايته، وكذلك للفيلم فيما بعد من بطولة عمر الشريف وزبيدة ثروت وأخرجه هنري بركات، وتتناول الرواية قصة وطنية تكشف عن شجاعة فدائي يضحي بحياته أثناء فترة أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي أثناء الاحتلال البريطاني لمصر.

وبحسب عديد من النقاد، احتلت رواية «في بيتنا رجل» مكانة متميزة في النفوس من حيث موضوعها وأسلوبها الروائي، فمسرح زمانها هو الوقت الذي سبق انفجار أحداث الثورة في مصر؛ حيث كانت النفوس تغلي من قهر الاحتلال.

وقد أجاد المؤلف الربط بين حالة الإمساك التي تعيشها مصر في تلك الآونة وبين الإمساك عن الطعام والشراب اتساقًا مع شهر رمضان حتى تحين اللحظة الحاسمة ليحصل المواطنون على ما يحتاجونه من طعام وحرية!

 

«خان الخليلي»

وكعادته، ربط أديب نوبل نجيب محفوظ الإنسان وصراعاته بالمحلية والهوية المصرية الخالصة. وفي تناوله لشهر رمضان نجده لا يعتبره مجرد شهر يمر مرور الكرام؛ بل له استعداداته الخاصة وطقوسه المصرية التي تختلف عن غيرها من الأقطار، وهذا ما يبدو من خلال رواية «خان الخليلي» التي قُدِّمت كفيلم سينمائي أيضًا من بطولة عماد حمدي وحسن يوسف وسميرة أحمد وأخرجه عاطف سالم، واستغل محفوظ الشجن ونوستاليجا رمضان وتوديع محبيه له في نهايته كل عام لتحضر في عمق حكايته التي تنتهي بنوستاليجا لبطل الفيلم الذي ينهي مرض السل حياته تاركًا خلفه من أحبوه.

واستعان محفوظ بمخزونه الحياتي والإنساني عن هذا الشهر، لاسيما من خلال طفولته التي عاشها في حي الجمالية بالقاهرة، فأظهر من خلال «خان الخليلي» عادات الشهر الكريم مع الحضرة والذكر وصلاة التراويح وغناء الأطفال في الشارع ولحظات الإفطار وغيرها من مظاهر رمضان المبارك، كما خدم شهر رمضان أبعاد العمل التي تعتمد على تجمع الجيران في أغلب الأحيان؛ بهدف التستر والحماية من الغارات أثناء الحرب.

 

«المرايا»

كما تناول محفوظ في رواية «المرايا» وصفًا للمظاهر الرمضانية قائلًا: «ليالي رمضان كانت فرصة جميلة للصغار من الجنسين يجتمعون في الشارع بلا اختلاط ويتراؤون على ضوء الفوانيس وهم يلوحون بها في أيديهم ويترنمون بأناشيد رمضان، إنهم يلوحون بالفوانيس الصغيرة يسألون المارة وأصحاب البيوت والدكاكين (العادة) وهم يرددون أغنية (رمضان) (رحت يا شعبان.. جيت يا رمضان)».

وفي هذه الرواية، يرصد محفوظ قصص 55 شخصًا رئيسًا، كل منهم يؤدي فكرة أو مجموعة من الأفكار تُصوِّر زمنه وانفعالاته وتأملاته وموقفه من الأحداث جميعها من حوله، وفكرة سرد أحداث معينة في صيغة أشخاص عرفهم الراوي من خلال عرض مجمل أو جانب من حياتهم على مدار فترة معينة.

 

«خليها على الله»

لم يكن محمد جبريلُ الوحيدَ الذي اقتبس من سيرته الذاتية عن شهر رمضان الكريم، إذ حضر الكاتب يحيى حقي ضمن قائمة المبدعين الذين تناولوا شهر رمضان من خلال كتابه «خليها على الله»، من خلال مجموعة من الذكريات المتفرقة التي لا يربط بينها سوى راويها، حيث يقدم جانبًا من سيرته الذاتية وذكرياته في كلية الحقوق وعمله كمعاون نيابة في مدينة منفلوط بمحافظة أسيوط في صعيد مصر.

كما يوضح في كتابه -من خلال حديثه عن المناسبات الدينية- ملامح التسامح والرقي في الإسلام التي تترجم في الشهر الكريم في صورة صلوات ودعاء وتواشيح وروحانيات لا حصر لها تذيب الروح وترفع الوجدان.

 

«لا أحد ينام في الإسكندرية»

وضمن ثلاثية الإسكندرية للروائي إبراهيم عبد المجيد تحضر مظاهر شهر رمضان بوضوح في الجزء الأول من الثلاثية التي تحمل عنوان «لا أحد ينام في الإسكندرية»، وتبدأ أحداثها مع الحرب العالمية الثانية، أحداثها وترصد مصر – أو الإسكندرية خاصة – تحت قوة الاحتلال البريطاني والمقاومة.

ويقدم الروائي شهر رمضان ضمن الزمن السردي للرواية ويوضح مظاهره وتعاطي المواطنين مع مظاهر الإفطار والالتفاف والالتحام بين مواطني الإسكندرية.

 

«رمضان» يوسف إدريس

كما قدم يوسف إدريس ضمن مجموعته القصصية «جمهورية فرحات» قصة قصيرة بعنوان «رمضان» رصد من خلالها استعداد العباد لشهر رمضان في الريف والأحياء الشعبية؛ من خلال تهذيب الطرقات أمام البيوت وشراء فوانيس للصغار وتوفير لوازم الشهر من الطعام والياميش وغيرها، وتأثير ذلك على الواقع المعيشي للأسرة المصرية.

 

«الرهينة»

كما صور الأديب اليمني زيد مطيع دماج في روايته الأشهر «الرهينة» -التي دخلت قائمة أفضل 100 رواية عربية في القرن العشرين- بعض ملامح شهر رمضان، حيث يقول: «ننتشي لسماع آيات القرآن الكريم, نحفظها على ضوء سراج زيتي».

ويوضح من خلال سرده الفرحة التي تحيط بالشهر الكريم والاستمتاع بمدفع رمضان والسحور والتجمع للإفطار وخدمة شهر رمضان للحالة المحلية والالتحام بالواقع العربي.

 

رواية «مدّ الموج» تصف طقوس رمضان في الأربعينيات بمدينة الإسكندرية

 

«مدّ الموج»

فيما يأتي رمضان حاضرًا كموضوع رئيس في رواية «مد الموج» للكاتب محمد جبريل، وهي رواية حملت عطر رمضان بامتياز؛ حيث تناولت حبكة الرواية حكايات وسردًا لأطفال يلعبون في شهر رمضان في أربعينيات القرن المنصرم بمدينة الإسكندرية الساحلية، فنجد حضورًا طاغيًا للفوانيس وصلاة التراويح التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالشهر الكريم.

وتغير المظاهر الحياتية في هذا الشهر الذي يحول وجه الواقع إلى درب من المحبة والتسامح والروحانية، وينتقل الكاتب بين فن الرواية وكتابة السيرة الذاتية، ويركز على عادات شهر رمضان.

كما تطرق الكاتب إلى وصف الحياة خلال تلك الفترة التي كانت فيها مصر تحت الاحتلال وكيف كانت تسير داخل إطار الأسرة المصرية واحتفالاتها بالمناسبات الرمضانية المختلفة؛ خاصة ليلة القدر، وفي الوقت نفسه لا يغفلون عن متابعة صفارات الإنذار التي تحثهم على الاحتماء في المخابئ.

 

صائمون.. والله أعلم

كما توجه الكاتب أحمد بهجت إلى سبيل آخر للحديث عن رمضان؛ من خلال مظاهر الخطأ التي تحيط بالصيام، عبر المجموعة القصصية «صائمون.. والله أعلم»، وهي مجموعة قصصية تنتقد بشكل ساخر بعض السلوكيات الخطأ التي يُقْدِم عليها البعض أثناء صيام شهر رمضان، ليؤكد أن الصيام الحق هو صيام عن الشهوات وزلات اللسان وإضاعة الوقت، كما أن بعض سلوكياتنا أقرب إلى تشويه المعنى الحقيقي للصيام واقتصاره على الصوم عن الماء والطعام.

كما قدم بهجت كتابًا آخر تناول شهر رمضان بعنوان «مذكرات صائم»، وكما هو واضح من عنوانه فإنه يحمل مذكرات الصائم في شهر رمضان الكريم، ويصل الصائم معها إلى السلام الداخلي الروحي من خلال ثلاثين يومًا يطوف فيها على أطياف الدين الإسلامي من صلاة وصوم وذكر لا ينتهي وغض البصر على الأخطاء وتجنب الذنوب.

 

وصف ليلة الرؤية من رواية «مدّ الموج»

«وجاء مساء الرؤية» وانتظر الناس بعد الغروب يتساءلون، وعند العشي أضاءت مئذنة مسجد الحسين إيذانًا بشهود الرؤية -وقد اجتزؤوا بالإضاءة عن إطلاق المدافع لظروف الطوارئ- وازَّينت المئذنة بعقود المصابيح مرسلة على العالمين ضياء، فطاف بالحي وما حوله جماعات مطبلة هاتفة «صيام صيام كما أمر قاضي الإسلام» فقابلتها الغلمان بالهتاف والبنات بالزغاريد، وشاع السرور في الحي كأنما حمله الهواء الساري».

 

القاهرة- دار الإعلام العربية

أمنية عادل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: