عزيزتي غنيمةمقالات

عاملوه كرجل

هذه ليست مشكلتي ولكنها مشكلة أخي بل مشكلة بيتنا كله.

نعم أخي الذي يبلغ الخامسة عشرة من عمره، إنه طالب في الصف الرابع المتوسط، ومنذ سنين كان مثالا للابن المطيع المؤدب، الذي لا يعرف أصدقاء السوء، ويحاول أن يكون دوما مثاليا في كل شيء، إذا خرج من المنزل لا يتأخر، بل يعود قبل السادسة مساءً على الأكثر.

ولكنه انقلب رأسا على عقب منذ السنة الماضية، وكانت البداية عندما طال تأخيره حتى التاسعة مساء، ثم أصبح لا يعود قبل منتصف الليل.

كل ذلك وأبي لا يعلم شيئا عما يفعله، ثم جاءت المصيبة الكبرى عندما بدأ يمد يده لأخذ النقود خلسة، كنت أكتشف ضياع مائة فلس أو ربع دينار من نقودي، فأبحث عنها في كل مكان، ثم أسأله عنها فيجيب غاضبا «دوري زين، يمكن ضاعوا منك اهني واللا اهني»، فأسكت أنا بدوري، ولكن مع مرور الأيام والأشهر اكتشفت أن المبالغ الضائعة بدأت تكبر، وذات مرة ضاع مني ديناران ونصف، وهو مبلغ كبير نوعا، فأخذت أسأله عما اذا كان أخذهم، فحلف بالله العظيم انه لا يعرفهم ولم يأخذهم، ولم أجد بدا من إخبار أبي بالأمر، فصاح في وجهي: «أنت لا تتهمين إلا أخوك، ضروري ضاعوا منك».

ولم يكن أمامي إلا السكوت، خاصة  أنه أنّبني على اتهام أخي في وجوده مما أحرج موقفي كثيرا.

ومرت ثلاثة أشهر وسافر أبي الى أحد البلدان وترك معي مبلغ أربعين دينارا للحاجة، ولأحفظهم في دولابي، وكان مفتاح الدولاب موضوعا في مكان أمين لا يعرفه أحد غيري، ولكن كان للدولاب مفتاح موضوع في علبة بدولاب أخي بحيث لا يراه، وعندما عاد أبي من السفر، طلبت مني أمي الأربعين دينارا لنعطيهم لأبي الذي طلبهم منها.

فلما فتحت الدولاب فوجئت بأن المبلغ ينقص ثلاثين دينارا، وليس هناك سوى عشرة دنانير في الدولاب، فذهلت أنا وأمي التي كانت معي، وبحثنا كثيرا وفي كل مكان، واتهمنا أخي الذي أنكر إنكارا شديدا، ولكنه عاد بعد إلحاح طويل واعترف بأنه أخذ المبلغ، وانه صرفه مع اخوانه ولم يبق معه منه سوى عشرة دنانير، أي انه أنفق عشرين دينارا على أصدقاء السوء الذين علموه التدخين، حتى أصبح الآن يدخن بشراهة.

وكان من واجبي أن أنبه أبي لذلك، فكان يضربه كثيرا ولكن ذلك لم يجد معه، كان انحرافه يزيد باستمرار حتى انه كان يتسلل في منتصف الليل، ويفتش عن نقود في ملابس أبي، وكثيرا ما فقد أبي الكثير من نقوده، وكثيرا أيضا ما فاجأته أمي وهو يمد يده للنقود فكان وجهه يصفر ويخرج وهو منحني الرأس.

إن أبي يعطيه دينارا ونصف الدينار  مصروفا أسبوعيا، وعلاوة على ذلك فهو لا يؤخر له طلبا، ولكنني لا أعرف السبب الذي يدفعه لمثل هذه الأعمال، وماذا نفعل لنردعه عنها؟

كاشفت أبي في أن يعرضه على طبيب نفساني لمعالجته، ولكنه أجابني بغضب «اسم الله عليه من المرض، أوديه حج طبيب نفساني.. الله يهديه إن شاء الله».

فبالله عليك يا أخت غنيمة أن تجدي حلا لهذه المشكلة التي تودي  بأخي الى التهلكة، وتسبب لنا الهم الدائم.

 

المعذبة غنيمة م –  الفيحاء

 

من كلامك عن أخيك تتضح عدة حقائق:

أولا: انك الأخت الكبرى، وانك تتمتعين بشخصية مسيطرة.

ثانيا: انك تحملين كل مسؤوليات البيت وانك محل ثقة الجميع.. أما أخوك فهو بعيد عن المسؤولية لأنه صغير،

أو بالأحرى لأنكم تعتقدون أنه صغير.

ثالثا: ان أخاك يفتقد شعور الصداقة داخل البيت، فالوالدان من جيل آخر غير جيله، وأخته المفروض أن تكون أقرب إليه في السن والمشاعر، تعامله كمسؤولة عليه لا كصديقة له..

إنه شاب يا صديقتي، وفي سن حرجة جدا، وهو يرفض أي سيطرة عليه، ويريد أن يؤكد أنه أصبح شخصا له فرديته، وانه قادر على تحدي كل من يفرضون سلطتهم عليه، وقادر على إغاظتهم ومعاندتهم وإن كان كل من في البيت يريدون منه أن يؤمر فيطاع، وأن يعيش طوال عمره نموذجاً للولد الطيب الذي يدخل البيت من الساعة السادسة ويغلق باب غرفته عليه، ولا يناقش، ولا يعترض، ولا يطالب.. دون أي روح تفهم ومودة وصداقة، فإنه في الحالة هذه سيبحث خارج البيت عن أصدقاء، من جيله وفي مثل سنه، أصدقاء لا يرهقونه بالأوامر، ويسمحون له بأن يعاملهم بالمثل، ومع هؤلاء الأصدقاء ومن أجلهم فهو مستعد أن يبيع عمره، وأن يذهب الى أي  اتجاه، وأن يقترف أي عمل صحيحا كان أو  خطأ.

إنهم أصدقاء سوء كما تقولين، ولكنهم أصدقاء، وهو بينهم واحد لا صفر، وهو يحب أصدقاءه لأن من في اليبت لم يفلحوا في  أن يكونوا له أصدقاء.

ومع هؤلاء الأصدقاء يجد متنفسا عن كل الكبت، وعمليات الزجر والتقريع التي يقابلها في البيت، ومع مجموعته يكون شريكا في المسؤولية، شريكا ذا إرادة، هو يقرر ويتصرف ويقوم بجزء من مسؤوليات المجموعة.

أما في البيت، فأنت تقومين بكل شيء، النقود معك وفي دولابك، والأمر لك أو لأبيك أو لأمك، أما هو فدائماً محل مراقبة ومحط تأنيب.

وإذا كنت بحكم ظروفك كفتاة، مرتبطة اليوم وغدا بالبيت، فإن وضعه كرجل يختلف، إن عالمه في الخارج وعليه أن يخرج له ويعيش فيه ولكن في حدود الأخلاق والمعقول..

ولكن كيف نصل الى هذا المعقول؟

هل الطبيب النفسي وسيلة الوصول؟!

أعتقد لا.

ابدأوا بتغيير أسلوبكم معه حتى لا تفقدوه نهائيا.

عاملوه كرجل «وهو فعلا كذلك» ويستحق أن يعامل باحترام لكبريائه وكرامته وشخصيته، اجعلوه يحمل مسؤوليات الرجل حتى لا يتورط في تصرفات الصغار.. دعوه يحمل ميزانية البيت ويتولى الإنفاق والشراء، اجعلوه مسؤولا عن جزء من أعمال والده أو تربية بعض اخوته. إذا خرجت اطلبي منه أن يرافقك لحمايتك، فتلك إحدى مسؤولياته.

إذا كان يسهر في الخارج اطلبوا منه أن يسمي مكان سهره حتى يمكنكم الاتصال به عندما تحتاجون اليه.

إنه رجل يا أختي الصغيرة.. رجل، والرجولة إحساس بالمقدرة، والتحدي، والنبل، والاستقلال.

فدعوه ينمي رجولته في الاتجاه الصحيح.. والمطلوب منكم، كل المطلوب.. لا أكثر من أن تكسبوا صداقته.

 

 

عام 1968

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: