عزيزتي غنيمةمقالات

عزيزتي غنيمة – ماذا أريد؟

ليس في الدنيا من يستطيع تحمل ما أعيش فيه من ظروف، القصة لا أعرف من أين تبدأ، هل تبدأ من ذلك الحي الفقير في….. حيث كانت تعيش أسرتي. وأنا طالبة بعد في أولى دراستي المتوسطة. وأبي الذي يترك البيت ويهرب الى بلد بعيد.

وفي مهجره بأقصى الدنيا يتذكر أولاده السبعة كل دهر ببعض المال، ثم ينسانا بعد ذلك الى الأبد، لا نعلم عنه القليل أو الكثير،  حياً  كان هو أو ميتاً «الله بيدري».

وتشيل بنا مركب الحياة وتحيط من وضع سيئ الى وضع أسوأ، في المدرسة كنت أداري تمزق مريولتي المهلهلة بكتبي الدراسية..

كنت أتطلع لزميلاتي في حزن، كنت لا أجسر على أن أحلم بحذاء جديد، أو أن أشتري زجاجة بارد، أو قطعة حلوى.. وأنا أكبر أخواتي وأكثرهن إحساسا بالظروف القاسية التي نمر بها.

سنوات مرت من حرمان وذل لا أدري عددها… وفجأة تغير الحال، وجدت عندي عشرة فساتين دفعة واحدة، ومثل هذا العدد من الأحذية، وتغير نوع الطعام الذي نتناوله، وانتقلنا من الحي الفقير الذي نسكنه الى بيت جديد في حي معروف،

وأهم ما في الموضوع أنني بعد شهر من انتقالنا للمنزل الجديد طلبت مني أمي أن أذهب الى المحكمة لتسجيل البيت باسمي، لم أستغرب الأمر لكثرة الأمور الغريبة التي عشتها في تلك الفترة.

ثم طلبت مني أمي أن أتوقف عن الذهاب الى المدرسة.. وتوقفت، ففي الحقيقة كنت تعلمت كراهية المدرسة التي عشت فيها كغريبة محتقرة.. طالبة فقيرة سيئة التحصيل، ولما تبدلت أحوالي كان هذا مصدر السخرية والأقاويل بين زميلاتي.

ثم جاء الرجل الذي دفع ثمن كل ذلك التغيير ليعقد قرانه عليَّ، رجل مهيب، شديد الوقار، والحنو، كلماته هادئة ولغته غريبة، بهرتني تصرفاته، كان يصحبني لارتياد أغلى المحلات، ولشراء أغلى المجوهرات والملابس، ويربت على كتفي كأنني لعبة صغيرة يفرح بإسعادها..

هذا الرجل قلب حياتنا تماما، وانتقل بنا شوطا طويلا من هوة الفقر.. الى قمة الثراء، ومن الملابس الممزقة الى السيارة الفاخرة، غيّر كل شيء قبل أن يظهر هو، لقد اختارني ودفع كل ذلك من بعيد،

وعن طريق معاينة سمسارة متخصصة في عقد هذه الصفقات مقابل عمولة تقبضها من الطرفين أصحاب العلاقة..

لم أغضب عندما اكتشفت أن الموضوع كله بيع وشراء لم يؤخذ رأيي فيه، فالفقر يعلم الإنسان أشياء كثيرة منها ألا يهتم بشيء أكثر من الهروب من الفقر ذاته، أما الفلسفة فهي مقصورة على الأغنياء.

وفعلاً هذا ما حدث لي، تقبلت كل تلك الأمور وكأنها لا تعنيني وأنا فقيرة، ولما ابتعدت عن دائرة الفقر بدأت أتفلسف وأثور، أثور على أمي لأنها باعتني، وأثور على نفسي لأنني استسلمت للبيع، وأثور على زوجي الطيب لأنه في عمر أبي.

قلبت حياتي الى معركة في كل جبهة، زوجي في الحقيقة يكفيني كل ما تطلبه امرأة.. الحب.. الحنان.. الرعاية.. السخاء، ولكنني بدأت معه سلبية وحافظت على ذلك الموقف، لم أتجاوب معه، ولم أحاول.. وكنت أختلق الأسباب لتنغيص هنائه.

ولكن الرجل صبور وعنده من أمور الحياة والعمل وزوجتان أخريان ما جعله لا يقيم لمشاكلي وزنا كبيرا.

إنني لا أكره هذا الزوج، ولكنني لا أحبه، وغير قادرة على حبه، رغم أن لي منه الآن أربعة أولاد أحبهم الى درجة العبادة، وأنا أفكر الآن وأسأل نفسي..

ماذا أريد؟ ولماذا أنا دائما وأبدا لم أشعر براحة واستقرار.. هل أطلب الطلاق لأستريح، هل أهرب وأترك كل شيء،

ولا تتصوري يا أختي أنني إنسانة سيئة، أو أنني أفكر بالخطيئة، بل إنني بعيدة جداً عن هذا التفكير.. ليس هناك رجل في حياتي غير زوجي.. وتفكيري المستمر في وضعي وقلقي هو الذي ينغص علي حياتي.. فماذا أفعل؟!

تزوجت وأنجبت كل ذلك دون أن تتيحي لنفسك الفرصة لتفكري في الصفقة، ثم فكرت عندما امتلأت المعدة بالطعام والرأس بالفراغ..إذن فمرضك مرض فكري يمكن أن يكون ضارا ويمكن أن يكون مفيدا حسب الوجهة التي تختارينها أنت..

زوجك الآن ليس شريكاً في المشكلة انتهى خطؤه بارتكابه له.. أي بزواجك على الطريقة التجارية التي تلاقي ترحيبا واحتراما في أوساطنا التي تعاني من الوقار والسلوك المحتشم الذي يغطي جرائم فاضحة.. إنه كاف.. وكريم.. وسخي.. وعنده من المشاغل ما يمنعه من مبادلتك الشجار والأفكار.

إن مصدر تعاسة أي إنسان يفكر.. هو أن يفكر في دائرة أنانيته.. أي أن يفكر في ذاته فقط ويغلق باقي الأبواب.. وأي إنسان يفكر في نفسه فسيجد أنه يواجه كارثة..

فإذا فكرنا في الشباب، فهو يولي ساحبا خلفه الشيخوخة وهذه فكرة مزعجة.. والجمال يتوارى لتظهر التجاعيد هنا وهناك وهذه أيضا فكرة مزعجة.. والموت المحتوم مسألة مقلقة..

وإذا فكرنا في المال فهناك دائما من هم أغنى منا وأنجح، وفي الشهرة هناك دائما من هم في الصدارة دائما.. إذن قضية الإنسان مع نفسه قضية خاسرة مهما كان وأيا كان.. غنيا.. فقيرا.. جميلا.. بشعا، لا فرق.. وهنا تكمن أسباب الإصابة بالقلق والتشاؤم.

أما التفكير المفتوح فهو يغير وجه الحياة ويقلبها رأساً على عقب.. اذا كانت حياتنا مؤمنة فهلا وجب علينا أن نفكر في واجبنا نحو الذين يفتقرون الى الأمان.. هل فكرت مثلا أنت في مستقبل أطفالك بدلاً من أن تنهاري أمام تفكيرك في مستقبلك الشخصي؟!

مع أولادك ستحلمين بالشباب مهندسين وأطباء وعلماء ومشاهير.. أما مع نفسك فأنت تفكرين في عجوز فانية كئيبة قلقة، فأي الفكرتين أفضل.. هل فكرت في زوجك ذلك الرجل الذي مهما كانت سوءاته إلا أنه انتشل مستقبلك ومستقبل أولادك من الضياع ووضعكم على طريق الأمان.

ماذا يمكنك أن تفعليه لتردي هذا الجميل وهو ليس بالقليل؟!

فكري في غيرك ستجدين الراحة في نفسك.. والسعادة قريبة دائماً منا.. ولكن السعيد هنا هو الذي يستطيع أن يتناولها.

 

عام 1970

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: