تحقيقات

عقول شبابية تبحث عن الثراء السريع

التنقيب عن الآثار في الصعيد ضربة حظ.. أم ضرب الوطن؟!

عزلة تاريخية وبطالة وفراغ يعاني منها معظم أهل الصعيد، إلا  أقلية   هربت من هذا الجحيم لتجد لها فرصة عمل في إحدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وخاصة الكويت والسعودية والإمارات.. أما الغالبية العظمى في الصعيد فمنهم من اتجه إلى العمل الزراعي بامتلاكه قطعة ارض كبيرة تدر له دخلا جيدا، ثم تأتي البقية الباقية وخاصة من الشباب تبحث عن مورد للمال ويراودها حلم الثراء،

وهذا بالفعل ما يحدث مع الشباب الذي تجاوز عمره الثلاثينيات ولا يجد منزلا يسكن فيه ولا حتى مالا ينفق منه على نفسه.. فيتجه إلى التنقيب عن الآثار ربما يجد ضربة حظ تنقله إلى مستوى اجتماعي أبعد من حدود حلمه، ونظراً لأهمية هذا الموضوع قامت مجلة «أسرتي» بزيارات في أماكن متعددة بالصعيد للوقوف على حقيقة هذا الموضوع، وإليكم أهم التفاصيل من خلال هذا التحقيق:

 

عبد القادر: شيوخ المدرسة المصرية يعتمدون على الخبرة بجغرافية المكان بجانب الروحانيات

في البداية، التقينا  الباحث الأثري بمنطقة جنوب الصعيد أحمد عبد القادر الذي أكد قائلا: الكنوز.. والبحث عن الوهم، يعتقد الناس بوجود آثار في باطن الأرض ولقايا تكتب للموعودين وليس للحسابين. من هنا سيطر جنون التنقيب عن الآثار على أهالي القرى في الصعيد والدلتا , أملا في الثراء وإبعادا لشبح الفقر عن الشباب العاطل عن العمل. وهناك من الروايات التي تشجع الناس على التنقيب والبحث فيستعينون بالدجالين والشيوخ والمشعوذين الذين يؤمنون بوجود حارس للكنز أو «الرصد» الذي يتطلب إرضاءه سفك الدماء وتقديم قربان الدم له وذبح الأطفال على عتبة مقابر الكنوز.

وأضاف عبد القادر: ومن بين تلك الروايات التي تبادلها الشباب في قرى الصعيد ما يعتقده البعض في وجود سراديب تمتد من دشنا بمحافظة قنا شمالا إلى محافظة الأقصر جنوبا، التي كانت قديما تسمى «طيبة» عاصمة مصر القديمة، ويؤكدون علي وجود هذا النفق السحري،

الذي يقودك إلى الأقصر في أقل من 10 دقائق سيرا على الأقدام، وهذا لم يثبت كشفه علميا لدينا. وأوضح كذلك أن هناك حكايات لاستخراج تلك الكنوز عن طريق المشعوزين، حيث يعرف الأهالي ثلاث مدارس للمشعوذين تقوم بالبحث والتنقيب عن اللقايا والكنوز المدفونة في الصحارى وحاجر القرى, وأسفل المنازل بقرى الصعيد خاصة في عدد من قرى سوهاج وقنا والبر الغربي بالأقصر وبعض قرى أسوان, وهذه المدارس هي: المصرية والمغربية والأفريقية، وأن أقوى تلك المدارس هي المدرسة المصرية تليها المدرسة الأفريقية ثم المدرسة المغربية في المرتبة الثالثة بعد أن كانت تحتل المركز الأول طوال سنوات مضت. وأن المدرسة المغربية يعتمد شيوخها على الروحانيات، بينما يعتمد شيوخ المدرسة المصرية على الخبرة بجغرافية المكان والمعلومات التاريخية بجانب الروحانيات. فيما يعتمد شيوخ المدرسة الأفريقية على السحر الأسود.

وختم عبد القادر كلامه لـ «أسرتي» قائلا:

شاركت في أعمال الحفائر مع البعثات الأجنبية بحكم عملي والتي تشرف عليها وزارة الآثار المصرية , ولا يوجد مثل هذه الخرافات , فالعمل يقوم على أحدث الوسائل التكنولوجية من كاميرات خاصة تكشف أعماق باطن الأرض, ويسبق ذلك تطهير تام لأماكن الحفائر والتخلص من الغازات السامة الموجودة في باطن الأرض،  ولا يسمح بزيارات الأماكن المكتشفة الا بعد المسح الراداري والتأكد من خلوها من الجراثيم والبكتريا والغازات التي تهدد حياة الزوار.

 

السباعي: التنقيب عن الآثار مافيا لا يشغلها إلا الثراء السريع عرابة أبيدوس

من جانبه، تحدث إلينا الباحث التراثي ممدوح السباعي من مدينة سوهاج حيث يوجد بها أهم مكانين للتنقيب عن الآثار وهما منطقة الغابة ومنطقة عرابة أبيدوس بالقرب من معبد أبيدوس الشهير حيث قال: يشتهر صعيد مصر بأنه زاخر بالآثار الفرعونية والإسلامية وتعتبر هذه الأماكن قبلة للسياح والزوار الأجانب الذين يأتون لمصر خصوصا لزيارة هذه الأماكن لذلك تعتبر أحد مصادر الدخل في مصر .

وأضاف: اذا كنا نقول إن هذه المزارات في صعيد مصر إلا أن المؤسف في الأمر أن عددا كبيرا من كل محافظات مصر ممن باعوا ضمائرهم اتجهوا للتنقيب عن هذه الآثار وسرقتها وتهريبها خارج مصر للتربح والغنى السريع. فهناك من ينقب وهناك من يدعي أنه شيخ وعالم ببواطن الأمور وتتم الاستعانة به في الكشف عن الأماكن الأثرية وهناك من يقوم بعملية البيع وهناك من يقوم بدور السمسار، إذن هي مافيا لا يشغلها إلا الثراء السريع من وراء ذلك، وهناك حالات نجحت في البيع وحققت حلمها حتى ولو كان غير شرعي وظهر عليهم الثراء الفاحش بعد أن كانوا لا حول لهم ولا قوة، ومنها حالات تم القبض عليها أثناء عملية البيع، وحالات أخرى أفنت حياتها في البحث ولم تجد شيئا، بل  هناك حالات لقيت مصرعها أثناء عملية التنقيب ففي «عرابة أبيدوس» حكى لنا أحمد. س الشهير بأحمد اللول (31 عاما)  حيث قال:

منطقة عرابة أبيدوس بمحافظة سوهاج شهدت العديد من حالات التنقيب التي لم يفلح منها إلا القليل بسبب يقظة رجال الشرطة وبعد شهور من الحفر وجدنا عددا بسيطا من القطع الأثرية لكنها مهمة جدا وكانت عبارة عن رأس تمثال من الجرانيت الأسود وعدد من قطع النقود الفرعونية وتم بيع هذه القطع عن طريق وسيط من السماسرة بمبلغ جيد حقق لنا بعض أحلامنا البسيطة.

 

الشاب عادل: عثرنا على كنز مذهل حقق لنا ثراء ونقلة نوعية في حياتنا

وفي مدينة إسنا بمحافظة الأقصر يحكي لنا الشاب (عادل. ك) حيث يقول: شاركت مع مجموعة عمل كبرى للتنقيب عن الآثار في منطقة أثرية مهجورة وبعد عامين من البحث والتنقيب رصدنا سردابا تحت الأرض طوله حوالي سبعة أمتار وبعد أن قمنا بتأمين سقف السرداب دخلنا في عمق ثلاثة أمتار وإذا بنا نجد تمثالا مركبا لأسرة فرعونية كاملة، مع عدد من أدوات المعيشة من الأواني الفخارية وبعض المعدات البسيطة وكان كنزا مذهلا حقق لنا ثراء ونقلة نوعية في حياتنا، وقد اكتفينا بذلك ولم نحاول مرة أخرى خوفا من الوقوع في قبضة الأمن.

وفي مدينة نقادة وبالتحديد في منطقة نجع البركة حكى لنا أبو سمير قائلا: قادتنا الصدفة وليس التنقيب عن الآثار إلى وجود سرداب خلف المنزل على بوابته جدارية صغيرة مرسوم عليها نقش فرعوني، فتحمسنا مع عدد من الشباب على الحفر على ان أن يتشارك الجميع في التكلفة، وبعد ستة اشهر أو يزيد لم نجد شيئا بعد ان أنفقنا كل ما لدينا، حتى اننا عرضنا اللوحة التي وجدناها بالمدخل للبيع ولم تساوي شيئا ولم يقبل عليها أحد حيث كان الفشل حليفنا، فقمنا بردم مدخل السرداب وإغلاقه تماما.

 

وفي لقائنا  الباحث حمدي عمارة نائب رئيس فرع اتحاد الكتاب بالأقصر قال لنا: منطقتنا كوم بلال والتى هى جزء من إقليم أمبوس الإقليم الرابع من أقاليم مصر الفرعونية وهي من أغنى مناطق الجمهورية الأثرية وجلها آثار متروكة نهبا لأكف اللصوص والمنقبين الجائرين وغيرهم – بالرغم من جهود مطاردة الأجهزة الأمنية لهم – إلا أنها تظل جهودا غير مكتملة الأركان، لقلة أعداد المفتشين الأثريين، وقلة أو انعدام وجود رجالات الحراسات بمعظم المناطق الأثرية، المدرجة منها بالخرائط الأثرية أو غير المدرجة، وقد شهدت هذه المناطق أعمال تنقيب من عدد كبير من الشباب يقودهم السحرة والدجالون، كل واحد منهم يبحث عن حلم بل عن وهم، ورغم كل ذلك هناك محاولات نجحت في الوصول لبعض القطع الأثرية وبيعها بأسعار خيالية.. ولكن لا يزال اللغز يحتاج إلى حل.. ما الذي يدفع الشباب في المغامرة بحياتهم في أشياء يتوهمون وجودها، حتى وإن كانت هناك بعض المحاولات القليلة الناجحة؟

 

حقيقة وليست أسطورة

وفي محافظة قنا وبالتحديد في قرية المحروسة تحدث إلينا عبد الناصر أبوعلام قائلا: انتشرت اشاعة في القرية بوجود لقايا في الجبل، فشارك عدد كبير من شباب القرية والقرى المجاورة، في التنقيب عن القطع الأثرية خاصة في مناطق حاجر دندرة، وحاجر الترامسة، وحاجر الدير، وحاجر المحروسة، وحاجر الزوايدة، وحاجر نقادة ودنفيق.

وأضاف أن هذه المناطق مشهورة بوجود الآثار القديمة من مختلف العصور، فرعوني، وبطلمي، وإسلامي، وقبطي وروماني وغيرها، غير أن الاهتمام بالآثار الفرعونية هو المهم لما لها من قيمة خاصة خارج مصر.

ويؤكد الشاب عبد الناصر أن هناك من الشباب الذين شاركوا في عمليات التنقيب تغيرت حالتهم إلى الأفضل، بل واغتنوا فجأة وأصبحوا من أصحاب الأراضي والعقارات والسيارات الفارهة، مما يدل على أن جهودهم أثمرت وجود قطع أثرية ثمينة تم بيعها بمبالغ خيالية، وأن الموضوع حقيقة وليس وهما أو أسطورة.

 

الشاب عبد الباسط: عثور البعض على قطع أثرية يمثل حقيقة وبارقة أمل أمام الشباب

وفي محافظة المنيا يحكي لنا الشاب (عبدالباسط. ق) حيث قال لنا: وسط كل هذه المحاولات في التنقيب عن الآثار التي هي بين الحقيقة والأسطورة وعثور البعض على بعض القطع يمثل حقيقة وبعض الأمل أمام الشباب، وفشل البعض يمثل صدمة قوية وربما كان وهما كبيرا، ووسط هذا وذاك تمكنت الأجهزة الأمنية من مداهمة منزل عاطل مقيم بقرية بني وركان التابعة لمركز العدوة شمال غربي المحافظة، وضبطت 60 تمثالا و100 ورقة بردي يشتبه في أثريتها بحيازة «رضا.ع»، 48 سنة، عاطل، وهناك العديد من الحالات التي تم ضبطها بحيازة القطع الأثرية التي تم التنقيب عنها.

أجرى التحقيق: أشرف ناجي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق