تحقيقات

كيف يكون للثقافة دور في تكوين مراهقة سوية؟!

د.حنان سعيد: تكوين عقل المـراهـق.. بالتعـاطـف الجميل والخيال النقـي

عقل المراهق هو ذلك البيت الذي يمكن ان تسكنه كائنات طيبة أو أفكار إيجابية وتفاؤل ومحبة،

أو كائنات شريرة مخرّبة أو أفكار سلبية من عنف وكراهية وتشاؤمية نحو المستقبل وكراهية! ولقد أصبح عقل المراهق العربي ساحة للصراع بين الأفكار السلبية والايجابية.. فمع تصاعد موجات من قصص العنف  اللافت بالمجتمع العربي كله وأبطال تلك القصص مراهقون في مقتبل العمر والأمل صارت الأسئلة كتيرة ومتزاحمة في عقول الأهل وعقول المجتمعات حول تفسير تلك الظاهرة: فلماذا كل هذا الكم من العنف الصادر من شباب أو مراهقين من المفترض انهم على ابواب الامل والمستقبل الجميل؟ وإن كانت عقل المراهق أو افكاره هي السبب الأول فيما يصدر عنه بل في نظرته لنفسه ولأسرته وللمجتمع والعالم كله، فكيف نساعد في تكوين إيجابي لعقل مراهقينا

أو ابنائنا؟ كيف نساعدهم بشكل إيجابي في امتلاك عقلية ناضجة منفتحة على حب الحياة والآخرين والبناء بدلا من عقلية تكره أو تدمر أو تنزوي عن المجتمع أو الحياة؟

طرحت «أسرتي» هذه الأسئلة على مدرس علم النفس بكلية الآداب جامعة الاسكندرية الدكتورة حنان سعيد فقالت:

من أجمل الأقوال التي نصادفها في الحياة قول الفيلسوف الأميركى وليم جيمس «تحيا الثقافة الحقيقية وتعيش عن طريق التعاطف والتخيلات، لا عن طريق الكراهية والازدراء أو الاحتقار.، فهى تضفي غطاء معصوما من الخطأ على الجوهر الإنساني».

 

المراهقة.. ثروة بشرية

إن ثروة الشعوب لا تقاس بثرواتها الطبيعية وإنما تقاس بثرواتها البشرية، وتتمثل الثروة البشرية أكثر ما تتمثل في الشباب في سن المراهقة.. فهي الفترة التي يعد فيها الفرد نفسه ليبدأ العطاء للمجتمع، ومن هنا لزم الحفاظ على هذه الطاقة البشرية والعمل على استثمارها والاستفادة منها أفضل استثمار ممكن. وتمتد مرحلة المراهقة طوال العقد الثاني تقريبا من عمر الفرد وتنتهي بالوصول إلى سن الرشد حيث يكتمل النضج العقلى لجميع القدرات العقلية والذهنية المتمثلة في الذكاء من الناحية التكوينية والوظيفية، وتظهر الاستعدادات والميول والفروق الفردية بين المراهقين. ومن هنا، فنحن نحتاج إلى توجيه المراهق تربويا ومهنيا وعقليا حتى نتيح الفرصة لنمو التفكير الابتكارى وظهور الإبداع والقدرات الخاصة لديه.

وتضيف الدكتورة حنان السيد:

يتردد كثيراً المراهق نتيجة للتغيرات الهرمونية بين الطفولة والنضج فهو أحيانا يبدو عاقلا ومتزنا وموضوعيا ويتصرف كالكبار المسئولين وأحيانا نجده منزلقا إلى سلوك طفلى غير مسؤول وأحمق، ومن هنا فإن الثقافة تتيح تهذيب سلوكه. إن الأشخاص الذين استطاعوا تطوير الخبرة في مجالات معينة يكونون قادرين بصورة واضحة على التفكير وبصورة فاعلة في حل المشكلات القائمة في تلك المجالات.

 

أفكار عملية لتكوين عقل المراهق..إيجابياً

وتطرح الدكتورة حنان السيد مجموعة من الأفكار عملية التي يجب أن نهتم بها لكي يصبح المراهق صاحب عقلية متفتحة تتسم بالعلم وتقبل الآخر والمثابرة والإصرار والانفتاح على الثقافات الأخرى مع الاحتفاظ بهويته العربية التي يحق له الافتخار والزهو بها. هذه الافكار العملية تأتي من المصادر التي تساهم في تشكيل التفكير الايجابي لدى المراهق:

 

  • التربية الأسرية التي تشجع على القراءة والاطلاع داخل المنزل

هذا الجانب من أهم الجوانب التي تساهم في تشكيل شخصية المراهق، فوجود البيئة الأسرية التي تشجع على القراءة والاطلاع والثقافة بمختلف أنواعها وتساعد على تفتح مدارك المراهق سواء كان ذكرا أو أنثى على العالم الخارجى هو عامل أساسي لأن الوالدين المهتمين بالقراءة بغض النظر عن الحالة المادية أو الإقتصادية سيحاولان قدر إمكانهما توفير البيئة التي تتيح للمراهق التعلم والثقافة وتكوين الشخصية المستقلة وتشجيعه على التفكير الناقد وعدم السخرية من آرائه مهما كانت خاطئة أو غير ناضجة، إما عن طريق استعارة أو شراء الكتب والمجلات أو الجرائد المحببة للمراهق حتى نخطو الخطوة الأولى في تشكيل شخصيته، ووجود مكتبة داخل المنزل أمر ضروري قدر الطاقة وان لم يتيسر ذلك فالنسخ الالكترونية متاحة للجميع والمكتبات المدرسية والعامة ودوائر المعارف وغيرها من التسهيلات التي تقدمها الدولة من مشاريع لحث الشباب على القراءة. ونصيحة الآباء للأبناء بقراءة الكتب التي تتوافق مع سنهم ويقدرون على استيعاب المعلومات الواردة فيها من الأمور التي يجب أن نشدد عليها لكل من الذكور والإناث.

 

وسائل التواصل الاجتماعي.. للقراءة أيضاً وليست للترفيه فقط

 

  • مميزات التكنولوجيا الحديثة

وسائل التواصل الاجتماعي من مميزات التكنولوجيا الحديثة التي أتاحها العلم للبشر، وهي ليست فقط للترفيه، بل للثقافة ايضا.. فهي توفر تسهيلات تكنولوجية فائقة من تحميل الكتب الألكترونية PDF وقراءة المقالات والابحاث المنشورة، والدخول على شبكة المعلومات الدولية الانترنت في أي وقت وفي أي مكان والبحث عن المعلومة المطلوبة فيي أي مجال بحثي أو علمي أو حتى في المعلومات العامة والفنون والرياضة….الخ وهذه خاصية لا بد من الاستفادة منها بشكل إيجابي وفعّال حتى لا يقع المراهق تحت سيطرة مواقع الشات أو الألعاب الالكترونية أو المواقع الجنسية أو التي قد تستغل صغر سنه في الترويج للتطرف والارهاب أو العنف أو الإساءة الجنسية أو الالعاب التي تسيطر على الدماغ وتمحو كل تفكير عقلاني وتحثه على الانتحار مثلما حدث مع لعبة الحوت الازرق وتزايد حالات انتحار المراهقين حوال العالم بعد ممارستها.

 

  • وسائل الإعلام والقنوات الفضائية.. تثقيف مع الترفيه

يعّد الإعلام من الأدوات التي تؤثر في الرأي العام لأنه يبث رسائل ذات اتجاهات اجتماعية وعقلية تتسلل إلى بيوت الناس وعقولهم وتحاصرهم أينما ذهبوا، ولبعضها جاذبية خاصة كالسينما والتليفزيون والمسرح، ولذا يقبل المراهقون عليها بشغف وتؤثر عليهم بصفة خاصة، لأن قدراتهم النقدية لم يكتمل نضجها بعد من ناحية، ولإعجابهم بالشخصيات المشهورة التي تظهر في وسائل الإعلام من ناحية أخرى.. ومن هنا تأتي خطورة وسائل الإعلام بالنسبة للمراهقين وخصوصا بالنسبة للقنوات الموجهة أو المسيّسة أو التي تبث أفكارا هدّامة لنشر العنف والعدوان والتطرف والخروج على الدولة والنظم والقيم الاجتماعية. ولهذا فمن المطلوب أن تعمل الأجهزة الإعلامية ضمن إطار الالتزام الاجتماعى العام، ويعنى ذلك أن تبرأ هذه الأجهزة من الإسفاف واللعب على غرائز المراهقين والجمهور. أو جعل المكسب المادي هو أساس الأعمال التي تعرض من خلال أجهزة الإعلام الرسمية. وبالتبعية فإن نجاح هذه الأجهزة الإعلامية في أداء رسالتها سواء في الإمتاع والترفيه أو التثقيف والتعليم يعتمد على قدرتها على إخراج رسائلها في الإطار الفني والابداعي المتقن.

 

النجاح الدراسي ليس هو المجال الوحيد للنجاح.. فالتوازن بين جميع المجالات مطلوب

 

  • عودة إلى دور المدرسة.. في التشجيع وتأكيد شخصية المراهق

إن تشجيع المدرسين والمعلمين للمراهق لكى يثبت شخصيته ويتفوق من الامور المهمة الواجب توافرها مع الوضع في الاعتبار أن النجاح الدراسي ليس هو المجال الوحيد للنجاح في الحياة فلا معنى لوجود طبيب فاشل في علاقته الاجتماعية. والتوازن بين جميع المجالات أمر مطلوب، مع التأكيد على أن ممارسة الرياضة للمراهق من الأمور التي تثقل شخصيته وتتيح له الاحتكاك بالآخرين والعمل الجماعي ضمن فريق وثقافة النحن بدلا من ثقافة الأنا وتعلم الفوز والخسارة وهي كلها أمور مهمة في تكوين العقلية المستنيرة في الألفية الجديدة.

 

  • الأصدقاء والأقران والشخصيات المشهورة من العلماء والأدباء والمثقفين

إن رغبة المراهق في الاندماج لمجموعة من الأصدقاء تكون العلاقة بينه وبين أفرادها علاقة حميمة ووثيقة هي رغبة كبيرة..فهو يضحي في سبيل المجموعة الخاصة به بالوقت والجهد والمال ولديه استعداد لمسايرة اتجاهات هذه المجموعة ليشعر بالأهمية والدفء والانتماء ويستمد هويته منهم. ولذا من الأهمية أن ننتبه بأقصى ما يمكننا من التركيز في اصدقاء المراهق وأقرانه والمجموعة الخاصة التي ينتمي اليها، ونحاول قدر الإمكان مساعدته في التواصل مع من نتوسم فيهم الاخلاق والتربية الراقية والمحيط الاجتماعى المناسب، حتى يكون التأثير الإيجابي في التعلم والأخلاق القويمة والبعد عن الانحرافات السلوكية أو تضييع الوقت في التفاهات أو المخدرات وغيره من المخاطر المتنوعة.

 

الاهتمام بالوازع الديني والخلقي.. فرصة طيبة لبنائهما

 

  • المؤسسات الدينية

من خصائص مرحلة المراهقة النمو الخلقى وبزوغ الوازع الدينى بقوة واتجاه المراهق لأداء الشعائر الدينية والالتزام الصارم بها وبداية تكوين الضمير الخلقى لمعرفة مفاهيم الجنة، والنار، والحلال والحرام، والخير والشر، والخطأ والصواب.. وهذه ميزة في مراحل نمو المراهق عقليا لكى نتدخل بشكل واع ِ ومستنير بدون إجبار أو قهر أو الحاح أو تقييد لتوجيه العقلية المتمردة نحو فهم أصول الدين الصحيح بدون إفراط أو تفريط، أو مغالاة في تفسير الأحداث بدون داع، ولذا فإن الدولة بجميع مؤسساتها الدينية يجب أن تتكاتف لوضع استراتيجية طويلة المدى يشترك فيها علماء الدين مع علماء النفس لوضع الاسس النفسية لمخاطبة المراهقين والوصول إلى عقولهم قبل قلوبهم حتى نغلق الباب على أعداء الأمة الذين يحاولون استقطاب الشباب وادماجهم في الجماعات المتطرفة والارهابية وإقناعهم بالانتحار بتفجير أنفسهم ليفوزوا بالحور العين في الآخرة. وهي كلها معتقدات يجب تفنيدها بواسطة علماء ثقات متمكنين من الإقناع والحجة ولديهم صبر وشخصية مرنة حتى يمكن استيعاب تناقضات تلك المرحلة والثورة والعناد والتمرد وعدم الاقتناع بسهولة بالرأى الآخر. فالتربية الدينية المعتدلة والآراء الفقهية المستنيرة التي تحاول مسايرة تغيرات المجتمع والتطور الحادث في الحياة تقي المراهق من اللجوء الى من يظنهم يساعدونه وهم في الحقيقة يرتدون ثوب الحمل ولكنهم ذئاب مستترة.

 

  • اتقان المهارات الاجتماعية والعلمية واللغات الاجنبية

لكى يصل المراهق الى التميز والنجاح لابد له ان يملأ عقله ووعيه بالمفيد من المهارات والخبرات التي تساعده على النجاح في الحياة مثل اتقان اللغات الأجنبية ومهارات الحاسب الآلي والتعامل معه، ومهارات اكتساب الاصدقاء والتعامل مع الجمهور والصبر عند الشدائد وابتكار الأفكار الجديدة والايمان بحلمه وتميزه وقدرته على تحقيقه…فهذه كلها مهارات يجب التحلي بها للنجاح في الحياة.

 

لنحاول إنارة الطريق حتى تتضح الرؤية لمراهقينا بطريقة أفضل

 

وفي النهاية تختم الدكتورة حنان سعيد السيد بالقول: لا أحد يملك عصا سحرية ليغير ذاته أو من حوله في غمضة عين، وكل ما علينا أن نحاول إنارة الطريق حتى تتضح الرؤية لمراهقينا بطريقة أفضل ونرى الأشياء المفيدة والصالحة التي لم نكن نستطيع رؤيتها في مرحلة سابقة نتيجة لعوامل كثيرة كانت تحجب عنا الرؤية السليمة.

ونختم بالقول إن الشباب والمراهقين اذا لم تكن لديهم رؤية واضحة عما يجب ان يكونوا وماذا عليهم أن يفعلوا فسوف تكون حياتهم عبارة عن مجرد ارقام في التقويم.

 

قراءة السير الذاتية.. إلهام مهم للمراهقين

قراءة السير الذاتية والمذكرات الشخصية وقصص حياة العظماء والمصلحين والمبدعين والمثقفين لاستلهام العظة والصبر والمثابرة على الصعاب والامل في الغد والكفاح المستمر في الحياة والنهوض بعد الفشل وهى كلها مراحل سيتعثر بها المراهق طوال حياته.

 

لماذا لا يقرأ المراهقون؟

حسب دراسات كثيرة حول العالم يتضح تراجع في إقبال المراهقين على القراءة:

  • أثبتت دراسة بريطانية تناولت 3500 مراهق في العام 2005، ان ثلثيهم يمضي خمس ساعات يومياً أمام الشاشة الصغيرة.
  • كشفت دراسة أميركية من جامعة واشنطن في سياتلاذ عن ان التلاميذ الذي يملكون جهاز تلفزيون في غرفة نومهم يسجلون تراجعاً بنسبة 8 نقاط في القراءة نسبة الى غيرهم.
  • أفادت دراسة علمية نشرتها صحيفة «الميرور» بأن الوقت المخصص للقراءة يبدو معكوساً بالنسبة الى وقت التلفزيون. اذ ان فرنسا تسجل نسبة 6 ساعات و54 دقيقة اسبوعياً مخصصة للقراءة فيما تسجل بريطانيا نسبة خمس ساعات و18 دقيقة فقط، تليها اسبانيا والمانيا.
  • البلد الذي يسجل اكبر نسبة قراءة اسبوعية فهو الهند بنسبة 10 ساعات و42 دقيقة.
  • كشفت دراسة اميركية أن الاولاد بين 8 و18 عاماً يمضون يومياً من 6.5 ساعة امام جهازين التلفزيون والكمبيوتر معاً- في حين انهم يقرأون في فترة لا تتعدى الثلاثة أرباع الساعة فقط.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق