اكسسواراتالنصف الحلو

«Chanel 5» ثورة في عالم العطور ونقطة فاصلة في حياة من صنعوه

حينما نتحدث عن العطور فنحن لا نتحدث فقط عن رائحة ذكية تميز صاحبتها أو صاحبها، بل عن ذكريات تحملها بين طياتها.. عن أحداث مرت ليس فقط على العطر ولا على من ترتديه، بل أيضا على من صمموه، والحقبة الزمنية التي رافقت إطلاقه.

وليس هناك أفضل من عطر «شانيل 5» كمثال حي لذلك، فهو ليس مجرد عطر ساحر ما زال يحتل المراتب الأولى من حيث المبيعات على مدار المائة عام الماضية، حيث تعاقبت خلالها أجيال وأجيال، بل تعدى ذلك ليكون صاحب سيرة ذاتية تدون قصته وقصة الحقبة التاريخية التي يمثلها بما فيها كل الشخصيات التي كانت على علاقة مباشرة به ليكون شاهدا عليها.

 

قد لا يعرف الكثيرون أن شانيل 5 هو العطر الوحيد الذي تحول ليس فقط إلى علامة فارقة في حياة صاحبته مصممة الأزياء العالمية كوكو شانيل، بل في حياة كل سيدة تعشق الأناقة الكاملة والرائحة الطبيعية المميزة، فقبل إطلاقه كانت العطور تنقسم إلى نوعين، الأول وهو العطر الهادئ الذي يعتمد على زهرة واحدة فقط وكان للعوام من النساء، بينما كان النوع الثاني مخصصا لبنات اللهو اللاتي يستخدمنه في الاغواء، وهذا بالضبط ما غيرته مصممة الأزياء الشابة بإطلاقها العطر الجديد المتعدد الزهور وما تلاه من عطور أخرى سواء من نفس العلامة التجارية أو العلامات المنافسة الاخرى.

 

السيرة الذاتية لشانيل 5

ولكي نتعرف أكثر على قصة هذا العطر علينا أن نتعامل معه على أنه صاحب سيرة ذاتية لا تقل أهمية أو شهرة عن حياة صاحبته كوكو شانيل.

على حد ما قالته الكاتبة تيلارج مازيو في كتابها الشهير: «سر شانيل 5 التاريخ الحميم لأشهرعطر في العالم» الذي يشرح تفصيليا كيف تحول ذلك العطر  الى «نقطة حاسمة» في حياة مبدعيه وعنوانا لانتصاراتهم على اللحظات الصعبة التي عاشوها خصوصا في زمن الاحتلال النازي ومن ثم الدسائس الشرسة التي واجهوها من منافسيهم من بينها اتهامات بالخيانة والعمالة لصالح دول معادية.

 

ظلت رائحة الصابون الذي كانت والدتها تغسل به ملابس الزبائن في ذاكرتها وتوصلت لأقرب رائحة له عبر تصنيع عطرها الاول

وتتوازى قصة العطر الشهير مع حياة المصممة التي اضطرتها ظروف أسرتها البسيطة للانتقال للعيش في دار اوبازين للايتام وهي في الثانية عشرة من عمرها وذلك بعد وفاة والدتها التي كانت تعمل في غسيل الملابس، وسفر والدها للولايات المتحدة الاميركية تاركا اياها وباقي اخوانها،  في ذلك الوقت ظلت رائحة الصابون المنعش الذي كانت تشتمه أثناء غسل والدتها لملابس الزبائن عالقة في ذاكرتها ولم تنقطع توصلت لأقرب رائحة له عبر تصنيع عطرها الاول والذي اسمته شانيل 5.

في سن الثامنة عشرة اضطرت الفتاة الى ترك الدار بسبب وصولها للسن القانونية لذلك من ثم التحقت بكنيسة مولينز للعيش هناك، حيث تعلمت في تلك المرحلة فن الخياطة بكل تفاصيله وهو ما ساعدها لاحقا على الدخول في عالم تصميم الأزياء والوصول للعالمية.

 

رجل الاعمال الثري إيتيان بولسان ساعدها في افتتاح أول متجر لها

لم تتمكن الفتاة اليافعة من الاستمرار في العيش تحت قوانين الكنيسة الصارمة وانتقلت للعمل مغنية مغمورة في أحد الملاهي الليلية، حيث عاشت مع فتيات الليل اللاتي كن يزعجنها بروائحهن الكريهة في وقت كانت رائحة الصابون تراودها من وقت لآخر وهو ما كان دافعاً قوياً وما كانت تحلم بتغييره أو القضاء عليه.

فى تلك الأثناء تعرفت شانيل على رجل الاعمال الثري إيتيان بولسان الذي ساعدها في افتتاح أول متجر لها لتصميم وخياطة القبعات التي كانت مثار إعجاب النخبة من سيدات المجتمع الباريسي ومن ثم توسعت في تصميماتها لتشمل الملابس الرياضية والعملية لتزداد شهرتها بشكل منقطع النظير بين 1915 و1917، وذلك لتميز تصاميمها بالبساطة.

 

من رائحة صابون في الذاكرة إلى عطر أذهل الجميع

وتبدأ قصة عطر شانيل 5 في عام 1920 وتحديدا على شاطئ  اللازوردي كوت دازور في جنوب فرنسا، حيث كان لقاء القمة بين شانيل الشابة والخبير الروسي ارنست بيو، حيث طلبت منه تركيب ستة عطور من زهور مختلفة كل في قارورة مدون عليها رقم يبدأ بـ 1 حتى رقم 6 وشرحت له المصممة وجهة نظرها في العطر الذي أرادت أن يكون مختلفا وليس مجرد رائحة ذكية فقط. وقالت: أريد أن أمنح النساء عطراً مصمماً وأعني مصنوعاً، مثل الفساتين…. لا أريد أن تضع المرأة أي ورد أو ليلك من الوادي… أريد عطرا مركبا.

وبالفعل كان لها ما تريد، حيث قام أرنست بتركيب العطور الستة بأزهار مختلفة اختارت منها العطر رقم 5 ليكون أول عطر في التاريخ مصنع من عدة طبقات من المركبات التي تمكنه من أن يبقى لفترة طويلة، أو حتى ليلة كاملة.

طبقت شانيل نظرية جديدة في عالم العطور الفرنسية، فالرائحة يجب ألا تفسد مع الوقت، بل تتحول لشيء أجمل، حيث إن العطور في تلك الحقبة كانت أغلبها تصنع من الزهور والورود، مما يعجل بفسادها لاحقا، تقول: «لقد أردت عطرا يعكس خصوصيتي، شيئا فريدا، يظهر المرأة أكثر طبيعية ويتماهى معها، ولا يكون أقوى منها».

 

وافقت شانيل على استخدام إفرازات من غدد قطط السيفيت ليبقى العطر أطول فترة ممكنة!

طبقات العطر

حاول أرنست الوصول الى تركيبة تكون الاقرب لتطلعات لما تحلم به شانيل، حيث قام بعدة محاولات كان شانيل 5 الأقرب منها لما تريد، حيث اعتمدت تركيبته الاساسية على زهرتي الياسمين والمايو اللتين تقطفان يدويا في الصباح الباكر من كل يوم من المزرعة المخصصة لذلك والتي تقع في منطقة غراس جنوب فرنسا إلى جانب تشكيلة أخرى من الزهور الأخرى المصنعة على شكل طبقات من زهور الدهايد والكنانغا وزيت نبتة النيرولي، ثم طبقة الدهايد أخرى تتكون من الورد والياسمين، أما القاعدة فمصنوعة من خشب الصندل ونبتة فيتيفير والفانيلا.

وكانت المصممة قد وافقت على استخدام إفرازات من غدد قطط السيفيت، ليبقى العطر أطول فترة ممكنة ولكن تدخل جماعات حقوق الحيوان في العام 1998 كانت قد تسببت في منع مثل هذا الإجراء. واستجابة لهذه الضغوط توقفت شركة شانيل عن استخدام تلك الطريقة، واستبدلتها بمركبات صناعية تعطي نفس النتيجة.

فى العام 1921 أطلقت شانيل عطرها الاول، حيث كانت تهديه في البداية لزبائنها المميزين ولكنها سرعان ما افتتحت أول محل لعطور شانيل في عام 1923 بعد أن دخلت في شراكة لإنتاج وبيع منتجات التجميل والعطور مع رجلي الأعمال الفرنسيين بيير فرتهايمر وتيوفيل بدر مؤسس جاليري لافاييت لإنتاج وبيع منتجات التجميل والعطور، فكانت نسبتها 10% فقط بينما كانت نسبة شريكها فرتهايمر 70% و20% نسبة بدر.

لم تكن المصممة الشهيرة سعيدة بتلك النسبة الظالمة، وظل الوضع كذلك حتى عام 1939 حيث كانت بداية الحرب العالمية الثانية، في ذلك الوقت تعرفت المصممة على الضابط النازي يدعى هانز غونتر فون دينكلاج وتسبب سقوط فرنسا تحت يد الاحتلال الالماني في هروب شريكها فرتهايمر الى أميركا وهو ما كان بمثابة فرصتها الذهبية لاستعادة ملكية عطرها الفريد.

الإشاعات تمنعها من استعادة العطر

لم تكن الظروف السياسية المحيطة بشانيل مواتية لاستعادة ملكية عطرها وذلك بسبب علاقتها بالضابط الالماني، حيث انتشرت إشاعة قوية مفادها بأنها تعاونت مع المخابرات الألمانية وتم اعتقالها بعد تحرير فرنسا بتهمة التعاون مع ألمانيا.

بعد إطلاق سراحها وسافرت شانيل إلى سويسرا وابتعدت عن أعمالها، وخلال تلك الفترة عاد فرتهايمر إلى باريس، وطلب من كوكو أن يشترى حصتها مقابل 400.000 دولار أميركي و2% من جميع المنتجات، وأعطاها حقوقاً محدودة في بيع العطور التي تخصها في سويسرا، فوقعت كوكو على الاتفاقية وتوقفت عن إصدار العطور، بل وباعت كامل حقوقها الى شريكها السابق مقابل راتبا شهريا.

في عام 1953 استطاعت المصممة أن تستعيد اسم علامتها التجارية شانيل وذلك بعد أن عادت لباريس اكتشفت مدى الشهرة التي وصل إليها مصمم الأزياء العالمي كريستيان ديور، فأرادت أن ترجع مكانتها في عالم تصميم الأزياء والعطور، فتعاونت للمرة الثانية مع بيير وحصلت على حقوقها كاملة لاسم «شانيل» وقد أثمر هذا التعاون عن المكانة التي وصلت لها شانيل المصممة والماركة لتضع بصمة لا تزال في القمة الى الآن وفي ربيع عام 1957 نالت جائزة الأوسكار للموضة.

 

وفاتها

توفيت كوكو شانيل في 10 يناير 1971 في باريس، بعد أن حققت نجاحات عديدة تخللتها الكثير الصعاب، وتركت خلفها اسماً لامعاً في عالم الأزياء والعطور، وأصبحت تمتلك شانيل أكثر من 200 معرض في جميع أنحاء العالم.

إعلان Chanel بطولة نيكول كيدمان دخل موسوعة غينيس كأغلى الإعلانات في التاريخ

سفيرات العطر

زادت مبيعات العطر في عام 1950، عندما قامت مارلين مونرو بتمثيل العطر كوجه دعائي، حتى ان القائمين على العلامة قالوا إنها زادت من مبيعاته وشعبيته، خصوصا بعد أن صرحت في أحد اللقاءات التلفزيونية بأنها تتعطر يوميا ببضع قطرات من «شانيل 5» الذي تعتبره عطرها المفضل، ومع الوقت اتسع نطاق الإعلانات وكثرت وجوه المعلنات من نجمات هوليوود العالميات فكانت من بينهن كاترين دينوف، إيستيلا وورين، ونيكول كيدمان التي قامت عام 2004، بعمل إعلان تلفزيوني طويل، من بطولتها وبطولة الفنان البرازيلي رودريجو سنتورو، وأخرجه المخرج الأسترالي باز لورمان، بتكلفة تجاوزت ملايين الدولارات مما جعله يدخل موسوعة غينيس كأحد أغلى الإعلانات في التاريخ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق