تحقيقات

آلام درب الإدمان تطال المدمن ومن حوله

من جديد نتحدث عن الإدمان، خاصة إنه ليس مشكلة شخص واحد فقط، إنه يدمر أسراً بأكملها.. حين يقع أحد الأفراد فريسة للإدمان، فإنك قد تشعر بأنك دخلت نفقا مظلما مليئا بالقلق والخوف والحزن، هذا بالإضافة إلى انفعالات أخرى.

إن الأذى يلحق بالأسرة كلها حين تصارع لإخفاء المشكلة، وتجنب المدمن، وتتعامل مع العواطف السلبية الذاتية، وتتحمل المسؤوليات التي تخلى عنها المدمن، وتقوم بالأدوار التي لم يقم هو بها، ويصبح كل من أفراد الأسرة من دون رغبة منه مساعدا، ويعين المدمن على الاستمرار في سلوكه أو سلوكها الضار. وعبر الأسطر التالية نسرد حكايات وروايات زوجات وأمهات ومعاناتهن مع إدمان أحد أفراد أسرهن.

 

زوجي تحول لجسد بلا روح وفقد إحساس الأبوة تجاه أبنائه

قالت لنا إحدى الزوجات:

في بداية قصتي أعترف بأنني كلما أذكرها تدمع عيناي مآسي وحزنا على معاناتي مع زوجي المدمن.

كنت شابة طموحة ورزقني الله بزوج طموح ورزقنا الله بولد ملأ حياتنا سعادة وفرح، وبدأت أوضاع زوجي تتغير عندما تعرف على أصدقاء جدد، كان يقضي معظم وقته معهم ويتركني وحدي ويعود إلى البيت ويتظاهر بالتعب ليجلس وحده.

استمر على هذه الحال أياما وشهورًا، وكان الشك يراودني، وبدأت أسأله لماذا تغيّرت وأصبحت تحب العزلة والجلوس لوحدك؟ أين السعادة التي كانت تملأ وجهك؟

أصبح سريع الغضب وبدأ يقصر في واجبات بيته ويقترض كثيرا، وعندما أبلغت والدته عن وضع زوجي بدأت تتحول حياتنا إلى جحيم مستمر، وتحولت السعادة إلى حزن وأنا أنظر إلى زوجي ينتهي أمام عيني ويخسر كل معاني الإنسانية.

وكان شكي في محله عندما اعترف لي بأنه تعاطى المخدرات بحجة التجربة وتحول إلى مدمن على الهيروين، وكان يشعر بالراحة والسعادة عندما يتعاطى جرعة.

مرت سنوات وزوجي يتحول لجسد بلا روح، وفقد إحساس الأبوة تجاه أبنائه بعدما رزقنا الله بابنة جميلة، وكنت أحمل أولادي وأنا حزينة على مستقبلهم؛ لأن والدهم مدمن، وانتهى كل شيء أمام عيني ومضت السنون الحزينة وبدأ زوجي ينهار ويطلب المساعدة مني ومن أهله، ولكن أصدقاء السوء كانوا له بالمرصاد، وكانت جميع محاولات العلاج تفشل لجهلي بكيفية التعامل مع زوجي بعد العلاج.

وفي يوم استفقت من النوم ورجال المباحث يملؤون بيتنا ويفتشون في جميع أغراض البيت أمام الأولاد وزوجي مكبل ومقبوض عليه بقضية تجارة المخدرات، وحُكم عليه بخمس سنوات ودخل السجن المركزي وتركني أنا وأولادي لوحدي لأتحمل معاناة الحياة وحدي،

وكنت أصلي ليلا ونهارا وأدعو الله أن يرد إليَّ زوجي الإنسان الحنون، وبدأت أشعر بالأمل من جديد في أول زيارة إلى زوجي في السجن عندما حدثني، وقال أنا مشتاق إلى أولادي وحزين على فراقهم وقال لي: سامحيني يا زوجتي العزيزة على ضياع أجمل لحظات حياتنا.

 

بكى عندما رفضت ابنته الصغيرة أن تقترب منه ليحضنها

وعندما التقى أبناءه في زيارة خاصة بالسجن المركزي وكان مشتاقا لرؤيتهم وتقبيلهم لأول مرة وهو مُقلع عن المخدرات، وعندما اقتربت ابنته الصغيرة بكت أمام عيني خوفاً من والدها المسجون، وبكى هو عندما رفضت أن تقترب منه ليحضنها، وكان قرار التوبة ورجوعه إلى الله من هذا الموقف المؤلم

وخرج من السجن بعد سنتين إنسانا طموحا مُحبًّا لزوجته وأبنائه، وعرفت حينها أن الله سبحانه استجاب إلى دعائي والتحق بجمعية بشائر الخير، وهذا المكان كان له دور كبير بعد الله في تطوير الجانب الديني والثقافي وأصبح يصلي ويستغفر ويطلب من الله أن يسامحه، وكان يرجع البيت وهو سعيد بأنه تعرف على أصدقاء جدد يعينونه على مصاعب الحياة، وتحولت حياتنا إلى سعادة وفرح.

هذه قصتي مع زوجي المدمن، وأحمد الله على كل شيء؛ لأنه أعاد لي زوجي من جديد وهو متعافى من الإدمان، وأطلب ممن يقرأ قصتي أن يدعو لزوجي بالثبات.

 

زوجة المدمن تشعر بأنها أرملة وزوجها مازال على قيد الحياة

وحكّت زوجة أخرى قائلة:

معاناتي بدأت مع إدمان زوجي وتغييره الكلي في جميع النواحي بداية من العزلة والعصبية وعدم تحمل المسؤولية وانعدام المروءة والرجولة وتركي لوحدي في بلد ليس لي فيه أحد.. وتكليفي بما لا أطيق وفوق طاقتي وإرهاقي ماديا وتحملي ديون لا قِبل لي بها ترك مسؤولية الأولاد عليَّ وحدي والتخلي عن جميع المسؤوليات.. وبعد كل هذا يخسر وظيفته ويصبح حملا ثقيلا عليَّ.

والله إن الإدمان مأساة على الأسرة بأكملها: الأم والزوجة والأولاد.. وفيه خسارة للإنسان نفسه لبعده عن كل مظاهر الحياة والعيش الكريم، فكم كنت أفكر في تركه والذهاب بعيداً عنه، ولكن كان يربطني به شيء كبير وهم أولادي.

باختصار زوجة المدمن تشعر بأنها  أرملة وزوجها مازال على قيد الحياة.

 

رجع زوجي عنصراً فعالا في المجتمع من خلال توعية الآخرين بمخاطر المخدرات

الحال بعد التعافي من الإدمان

وأضافت:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والله الذي لا إله إلا هو لن أوفي ربي حقه بالشكر مهما شكرت، تغير الحال للأفضل والأحسن، فبعد الإهمال أصبح الاهتمام والرعاية، وبعد القسوة أصبح الحب والحنان، فرجع زوجي عنصراً فعالا في المجتمع يحاول بكل قوته وجهده أن يثبت لنفسه وللجميع أنه موجود ويستفاد منه من خلال توعية الآخرين بمخاطر المخدرات، وأراد أن يكمل دراسته ويلتحق بالجامعة، فأي تغيير هذا! فلله الحمد.

لقد عادت مروءته ورجولته وشهامته، وأصلح حاله مع الله، فصلح الحال مع الغير، فأصبح رب أسرة ناجحا بكل معنى الكلمة، وأنا فخورة به.

 

مدمن تائب: شعرت كيف كان والدي يعاني خلال رحلة الإدمان معي

وهذه الحكاية لمدمن تائب:

لقد دخل عالم الإدمان وهو في ريعان الشباب، وتاه فيه تماما، ونسي كل من حوله، ومات والده حزنا على إدمانه، ولم يأبه لذلك، حيث إنه كان منفصلا تماما عن الإحساس إلا لذلك المخدر اللعين.

وفي أوائل رمضان اهتدى، وامتلأ قلبه نوراً، ولجأ إلى جمعية بشائر الخير مستصرخا لإنقاذه، وهب شباب جمعية البشائر واحتضنوه.

اتفق بعض التائبين معه للذهاب الى المقبرة لتشييع جنازة أحد الأصدقاء، ولأول مرة يدخل ذلك المكان الواسع، الذي يخلو من البنيان، ولا يوجد فيه إلا القبور الدوارس، هناك وبعد الانتهاء من دفن الصديق،

اعتزلهم، ورمى ببصره إلى القبور، يجول بينها ويبكي، جاءه التائبون يسألونه عن سبب بكائه، فقال لهم: إن أبي توفي ولم أشعر بوفاته، ولم أدر حتى أين دفن وكأنه أمامي يعاتبني على ذلك، لقد أجرمت في حقه كثيراً، كم رفعت صوتي عليه! كم سرقت منه المال! كم صدمت بسيارته؟ كم شغلته معي من مخفر إلى مخفر، ومن سجن الى سجن! كم أحرجته بين أصدقائه والأقرباء! كم رفعت يدي عليه!

لقد مات حزيناً على إدماني وانحرافي.

هدأ التائبون من روعه، وطمأنوه بحديث التوبة والرحمة.

وتذكر تاريخ وفاته، وبعد فترة من البحث عثر على قبر والده، جلس أمام القبر ولم يتمالك نفسه من البكاء بل النحيب واستسلم تماما للدموع التي لم تنقطع، وهو يناجي القبر «يبا.. يبا سامحني على اللي سويته فيك، سامحني على التسبب بمرض الضغط والسكري، سامحني يوم رفعت أيدي عليك، سامحني يوم سبيتك، ودفعتك عندما أردت أن تنصحني.. يبا.. يبا.. صحيح أنني جئت في الوقت الضائع،

ولكن رحمة الله أوسع.. يبا.. كنت أتمنى أن تراني تائبا، أبشرك يا يبا.. لقد التحقت بجمعية بشائر الخير، وأصبحت فرداً منهم.. وها أنا ملتزم بالصلاة والصيام وقراءة القرآن.. وأبشرك بأن جميع الأصدقاء الذين كنت تنصحني بتركهم، تركتهم واستبدلت بهم أصدقاء الصلاح والتوبة.. سامحني يا يبا.. سامحني.. سامحني».

 

رسالة الشيخ عبدالحميد البلالي للمدمنين: عودوا إلى رشدكم قبل فوات الأوان!

يقول الشيخ الشيخ عبدالحميد البلالي:

وصلتني بالبريد رسالة من زوجة أحد المدمنين، أرفقت معها ورقة قد رسم عليها ابنها في المرحلة الابتدائية صورة رجل وبيده زجاجة خمر وشعره منفوش وعيناه زائغتان، وثيابه ممزقة، وقد كتب تحتها «هذه صورتك يا أبي أمام عيني، إنني أتذكر كأسك، إنه يخسر نقودك، إنه يجعلك يا أبي مجنوناً.. لا تأتينا وأنت تشرب.. ابنك».

كان يعتزم هذا الطفل إرسال هذه الصورة الى والده عندما يراه، ولكن أمه فاجأته وهو يرسم وانتزعتها منه وأرسلتها لي، لتعطي صورة لكل مدمن عما يعانيه أطفالهم، وكيف ينظرون إليهم، فهؤلاء الأطفال هم ضحايا آبائهم المدمنين، وكيف تستطيع أمهاتهم، مهما بلغن من الثقافة والإيمان وحُسن الإرادة أن يمحين صورة آبائهم من خيالهم، أو أن يجبروهم على احترام آبائهم، أو يمنعوهم من عدم التأثر بهم.

هذا الطفل الضحية ينادي أباه «لا تأتنا وأنت تشرب» ذلك لأنه أثناء شربه لا يحمل صفة من صفات البشر، إنه وحش كاسر يضرب ويحفر ويزمجر، ويكسر، ويحطم كل شيء أمامه، وعندما يبتعد عن التعاطي يكون إنسانا وديعا حبيبا، لينا هينا، محبا لزوجته وأبنائه.

أيها المدمنون أنتم لا تقضون على أنفسكم فقط بإصراركم على الاستمرار في التعاطي، بل تقضون على أبنائكم وبناتكم، وتسهلون لهم المخدرات وتعاطيها، وتسهلون لهم طريق الانحراف والجريمة، فهل تدركون خطورة ذلك؟

أيها المدمنون انتهزوا فرصة بقائكم على الحياة وعودوا إلى رشدكم قبل فوات الأوان!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق