تحقيقات
أخر الأخبار

أبناؤها ساعدوها فيها قناة «ماما بركة» للطبخ.. حُلم العمر يتحقق ولو متأخراً

السيدة مبروكة عرفت معنى مشقة الحياة مبكرًا منذ كانت في الثالثة عشرة من عمرها، إذ حملت على عاتقها مسؤولية تربية أبنائها وحيدة وتعليمهم في سنٍ صغيرة. ومع رحلتها معهم كان يرافقها دائمًا تقديم برنامج للطبخ تمارس فيه هوايتها التي فُتنِت بها منذ صغرها، لكن شعورها بضرورة أداء واجباتها تجاه أسرتها كان يقف عائقًا أمام تحقيق ذلك الحلم. وأخيرًا تمكنت السيدة مبروكة من تكوين قناتها الخاصة على موقع يوتيوب تحت اسم (ماما بركة) لتقدم فيه أكلات المطبخ المصري التقليدي وتضع قدمًا في طريق تحقيق حلمها ليتبادل الأبناء دورهم مع الأم في تقديم الدعم لها بتحويل حلمها القديم إلى حقيقة. في حوارنا معها نقترب أكثر من (ماما بركة) وقصة قناتها ورحلتها مع أسرتها والمطبخ المصريّ.

غياب زوجي منذ طفولة أبنائي جعلني أتحمل مسؤوليتهم كاملة

تبدأ ماما بركة الحديث عن نفسها قائلة «أنا مبروكة يس علي 65 عامًا من بني سويف بالأصل ولكنني تربيت في القاهرة وعشت فيها».

ولدى السيدة مبروكة ثلاثة أبناء، بنتان وولد، وتزوجت وهي في الثانية عشرة من عمرها وسافر زوجها وطال غيابه عن الأسرة فربت أبناءها منذ طفولتهم وحتى كبروا. وصارت السيدة مبروكة مسؤولة بشكل كامل عن أبنائها وتنشئتهم وأصرّت على تعليم الأبناء الثلاثة تعليمًا جيدًا رغم أنها لم تتعلم، رغبة منها في منحهم مستقبلا أفضل في حياتهم.

ومع غياب الزوج وانقطاعه عن رؤية الأبناء عقدت السيدة مبروكة العزم على تربية الأبناء وحيدة وراحت تدبر النفقات والأموال اللازمة للحياة من خلال التفكير بشكل مختلف، إذ تمكنت من ادخار الأموال لشراء عقار وأسكنته للطلبة، وتقول «من أموال الإيجار الخاص بالعقار علمت أولادي وزوّجتهم وحين ضاقت الظروف أكثر عملت في بيع الملابس بالأقساط فكنت أبيع الملابس لبعض المعارف والجيران وتمكنت ولله الحمد من تعليم الأبناء وتزويجهم وعندما بدأ ابني في العمل منحني الراحة، وعندها توقفت عن بيع الملابس وخفت عني المسؤولية بعض الشيء واشتريت أرضًا ثم بعتها، وبعت البيت الذي كنت أؤجره للطلبة لكي أشتري البيت الذي نسكن فيه حاليًا واجتمع فيه مع أولادي فكل منهم لديه شقته الخاصة ويجمعنا عقار واحد».

دائمًا ما أردد «لست وحدي ولكن الله معي»

كيف إذن تصفين رحلتكِ في تحمل مسؤولية أبنائكِ؟
– أصف رحلتي معهم بأنها رحلة جهاد وتعب، ودائمًا ما تسلحت فيها باليقين بالله وأنه سيحل كل كرب فدائمًا أردد «لست وحدي ولكن الله معي»، فأنا مؤمنة بأن الله حين يختار شخصًا ليتحمل المسؤولية يقول له سِر وأنا معك، ولكن أجمل ما في رحلتي زرعتي الحلوة وهم أبنائي وأحفادي.
وأكسبتني تربيتي لأبنائي وحيدة والعمل من أجلهم تحمل المسؤولية وكنت أحترم كلمتي فلا أعطي وعدًا أو كلمة إلا إذا كنت متأكدة من تنفيذها وأيضًا تعلمت ألا أختلط كثيرًا بالآخرين أو الكلام الكثير فقد تفرغت لمسؤولية بيتي وأبنائي فقط.
علاقتي بالمطبخ بدأت منذ الصغر.. وكنت المسؤولة عن تحضير الطعام في أفراح العائلة

إذا تحدثنا عن المطبخ، كيف بدأت علاقتكِ بالطبخ؟
– منذ صغري وأنا أحب الطبخ وأهواه كثيرًا ففي أفراح العائلة التي كانت تضم كثيرًا من الحضور يقتربون من المئات دائمًا ما كنت مسؤولة عن تحضير الطعام وتوزيعه بين الناس، فأطبخ كميات كبيرة من الطعام وأصنافا مختلفة، أيضًا حين أشعر بالملل أتوجه للمطبخ كي أصنع وجبة أو حلوى لأسرتي. فيجدني أبنائي أدخل المطبخ وأستمع لأغنيات فيروز أو أم كلثوم ثم أبدأ في إعداد الطعام، ممكن عندها أخرج لأبنائي بكعكة أو بسبوسة أو بسيسة أو كنافة. ولأن المطبخ هوايتي ومتعتي لا أشعر بانقضاء الوقت أثناء إعداد الوجبة أو الطعام.

في شبابي كنت أشاهد الشيف «منى عامر» وأحلم بأن يكون لدي برنامج مشابه لها واتخذتها مثلي الأعلى

فكرت في افتتاح قناة على «اليوتيوب» بعد مروري بأزمة نفسية عند رحيل أغلى الأشخاص لديّ

ومن أين جاءت فكرة تأسيس القناة على «يوتيوب»؟
– في شبابي كنت أشاهد الشيف الشهيرة منى عامر على القناة الثالثة وأحلم بأن يكون لدي برنامج مشابه لها واتخذتها مثلي الأعلى، ففكرة برنامج أو تقديم محتوى عن الطبخ كانت عندي منذ فترة طويلة.
تقول ابنتها (هنا):
«أمي دائمًا ما تؤخر كل ما تود القيام به وتحلم به من أجلنا، ولكن المسؤولية منعتها من تحقيق ما تتمنى وترغب».
وتكمل ماما بركة:
منذ 3 سنوات توفيت والدتي وأخي واثنتان من أخواتي بسبب مرض السرطان فأصابتني أزمة نفسية حيث شعرت بأن البيت أصبح فارغًا عليّ فلم أعد أمتلك سوى أخ وحيد فقط، فقد أثر رحيلهم المتتالي فيّ بقوة. في هذه الفترة كان أبنائي دائمًا يطلبون مني طبخ وجبات أو أكلات مختلفة لهم لكي يخرجوني من الحالة النفسية السيئة التي أصابتني فهم يعرفون حبي للطبخ كثيرًا. في الوقت نفسه كنت أحب مشاهدة «اليوتيوب» باستمرار واقترحت على أبنائي أن ينشئوا لي قناتي الخاصة على «يوتيوب» لتعليم الطبخ ووصفات الطعام المصرية التقليدية. وأصبحت ابنتي (هنا) هي من تدير لي صفحتي وتضع المنشورات وترفع مقاطع الفيديو وتقوم بالتصوير والمونتاج. ومن بعدها وجدت، ولله الحمد، قبولًا من الناس وتواصل معيّ عدد من الصحفيين والقنوات التلفزيونية كان أولها مقابلتي مع المذيعة دعاء عامر. وانطلقت القناة في أكتوبر 2019. وفي البداية خجلت من الظهور أمام الكاميرا فكنت أحضر الطعام دون أن تظهر صورتي، ولكن عددا من المتابعين طالبوا بظهوري فبدأت شيئًا فشيئًا التخلي عن الخجل عندما لمست حب المتابعين لما أقدمه.

أقدم في قناتي الأكلات المصرية للأم البسيطة التي لا تكلف كثيراً

وما المحتوى الذي تحاولين تقديمه في قناة «اليوتيوب»؟
– ما أحاول تقديمه في قناتي الوجبات والأكلات المصرية للأم المصرية البسيطة التي لا تكلف كثيرا من النفقات ولكنها شهية وفي الوقت نفسه يمكن تقديمها بشكل مشرف ويسر العين، فالآن كثير من برامج الطبخ لا تتوجه للطبقة البسيطة، وهو ما أحاول تقديمه في محتوى القناة. بعض الأكلات أقدمها بمكونات يستطيع أي شخص بسيط تناولها وطبخها، وأقدم حلولًا اقتصادية للأسر من خلال استخدام وصفات المطبخ التقليدية. وأهدف من قناتي إلى تعليم الأجيال الجديدة والصغيرة كي يطلعوا على الوجبات التقليدية المصرية البسيطة حتى لا تضيع، كما أن هذه الوجبات مناسبة لكثير من الأوضاع الاقتصادية للأسر على خلاف البرامج التي تقدم في التلفاز وتحتاج إلى ميزانية كبيرة. كما أقوم بتربية الطيور فوق سطح منزلي وأقدم نصائح لمن يرغبون في تربية الطيور والدواجن المختلفة.

وما الموقف الذي أثر فيكِ ولن تنسيه طوال حياتكِ؟
– الحقيقة مرّت عليَّ الكثير من المواقف الصعبة التي أثرت عليّ، ولكن أصعب تلك المواقف هي وفاة والدتي وإخوتي في الآونة الأخيرة، فقد كنا شديدي الارتباط ببعضنا بعضا، ودائمًا ما نجتمع معاً، فتسببت الوفاة في فراغ كبير وألم.

وما الأكلة التي تفضلين إعدادها؟
– أحب المحاشي بشكل خاص مثل ورق العنب والكرنب والبطاطس المحشية باللحم المفروم والباذنجان، ولكن أفضلها بالنسبة لي الكرنب فهو مزاجي الخاص حين أقوم بصنعه ورغم خطواته الكثيرة فهو متعتي الخاصة. كما أنني أهتم بالشكل الأخير للطعام أيضًا، كي يفتح الشهيّة وذلك دون تكلفة باهظة.

هل لديكِ شيء محدد يشعركِ بالراحة والسعادة بعد يوم شاقٍ؟
– بالتأكيد عندما أرى أبنائي بخير وسعداء وفي نعمة ولا يؤذيهم شيء أشعر بالسعادة البالغة وأتحول إلى طفلة صغيرة فأقف في المطبخ وأصنع لهم الكثير من الأكلات والطعام، فأبنائي هم كل حياتي وما أملك. إلى جانب هذا فإن رحلة الحسين تسعدني، فأحب زيارة الكثير من المساجد ولكنني ارتاح كثيرًا في الجلوس بمسجد الحسين وأذهب إليه مرتين أو ثلاثة في الشهر. أصلي الظهر ثم أعود على صلاة العصر وهي من أكبر مسببات السعادة لي.

منذ بدأتِ قناتكِ هل قابلتكِ تعليقات سيئة أو ردودًا أزعجتكِ؟
– على العكس، تسعدني الكثير من التعليقات فكل من يشاهدونني يكتبون تعليقات مفرحة، ولكن أكثر التعليقات التي أثرت فيّ عندما نشرت مقطع فيديو عن تجهيزات الزواج للعروس، وأرسلت لي فتاة تشكرني لأن والدتها متوفاة وهي لا تعرف أي شيء عن تجهيزات الزواج كان تعليقًا مؤثرًا. كذلك كثيرون يكتبون لي أنني أذكرهم بأمهاتهم أو جداتهم. وكثير من الجيران حولي يعبرون لي عن إعجابهم بالمحتوى المقدم في القناة على يوتيوب والطبخ، وهذه من الأشياء التي تدخل السرور على قلبي.

أحلم بأن أدخل كل بيت ويتعلموا مني شيئًا مفيدًا ينفعهم

ما الذي تحلمين به في المستقبل؟
– أحلم بأن أدخل كل بيت ويتعلموا مني شيئًا مفيدًا ينفعهم، ولهذا أرغب في أن يكون لي برنامج تلفزيوني ليوسع انتشار المحتوى الذي أقدمه.

أسرتي في كل مكان
مصر – داليا شافعي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق