تحقيقات
أخر الأخبار

أجبرتهن‭ ‬الظروف‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل لبنانيات‭ ‬أخوات‭ ‬الرجال‭.. ‬ كسرن‭ ‬الأعراف‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭!‬

نساء‭ ‬تركن‭ ‬البيوت‭.. ‬واقتحمن‭ ‬سوق‭ ‬العمل
في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬عموما،‭ ‬حين‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬أول‭ ‬فكرة‭ ‬تخطر‭ ‬على‭ ‬بالنا‭ ‬الأم،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تربي‭ ‬وتسهر‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬أطفالها،‭ ‬تربيتهم‭ ‬وتحضير‭ ‬طعامهم،‭ ‬تهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬المنزل‭ ‬ونظافته‭ ‬وترتيبه،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬تقريرنا‭ ‬هذا‭ ‬سنعرض‭ ‬لكم‭ ‬قصص‭ ‬نساء‭ ‬بعضهن‭ ‬أجبرتهن‭ ‬الظروف‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وأخريات‭ ‬أردن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لهن‭ ‬دور‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭ ‬ومصالح‭ ‬ومصدر‭ ‬دخل‭ ‬مستقل‭ ‬عن‭ ‬أزواجهن،‭ ‬وبعضهن‭ ‬أردن‭ ‬أن‭ ‬يستفدن‭ ‬من‭ ‬قدراتهن‭ ‬لمساعدة‭ ‬أزواجهن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصعبة‭.‬
والجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أنهن‭ ‬جميعا‭ ‬نزلن‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬ولم‭ ‬يعرن‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬للعرف‭ ‬السائد،‭ ‬ولا‭ ‬لنظرة‭ ‬المجتمع‭ ‬لهن‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬سيتقبلهن‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فعلنه‭ ‬التركيز‭ ‬في‭ ‬عملهن‭ ‬والتوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬ومباشرة‭ ‬العمل‭.‬

أم‭ ‬حامد‭ ‬خلف‭ ‬مقود‭ (‬الفان‭) ‬الخاص‭ ‬بها‭ ‬
وتتنقّل‭ ‬بين‭ ‬أزقة‭ ‬بلدتها‭ ‬كفر‭ ‬تبنيت‭ ‬لاصطحاب‭ ‬الطلاب‭ ‬إلى‭ ‬مدارسهم‭!‬
بضحكتها التي لا تفارق وجهها تستقبل من تصادفهم كل صباح، تجلس (أم حامد) خلف مقود (الفان) الخاص بها وتتنقّل بين أزقة بلدتها كفر تبنيت لاصطحاب الطلاب إلى مدارسهم، الوقت عندها كالسيف، والوقت الضائع غير موجود في قاموسها.
منذ بزوغ الفجر يبدأ نهار (أم حامد) تتفحّص “فانها” قبل الانطلاق، وتبدأ المسير حسب خطة مرسومة في رأسها لتوفر الوقت وتصل إلى المدرسة قبل موعد دخول الطلاب، تقول (أم حامد)، لم ألتفت منذ البداية لكلام الناس وكيف ستكون نظرة المجتمع لي، لم يتقبلوا فكرة أن امرأة ستقل أطفالهم إلى المدرسة، لكن شيئا فشيئاً سرت الأمور على نحو جيد واستطعت أن أكسب ثقتهم، والآن أصبح الطلاب الذين كنت أقلهم من سنوات خريجي جامعات وأعتبر هذا الأمر إنجازا لي على الصعيد الشخصي.
(الشغل مش عيب) شعار أم حامد الدائم، تقول: العيب يتجلّى عندما تكون المرأة بحاجة للمال وهي مكتوفة الأيدي، تعلمت منذ صغري أن أكون مستقلة ماديا، وعندما أحتاج لأي شيء أشتريه من مالي الخاص لأخفف عن زوجي، بل وأساعده كي لا نمد يدنا إلى أحد وهنا يكمن التكامل بين الزوجين، وتصبح الحياة أجمل.

تقول أم حامد إنها تعاني من مرض العمل، فبعد أن تنهي عملها على الفان، فإنها تساعد زوجها في محل بيع الخضار، وفي الآونة الأخيرة وجدت متسعا من الوقت لديها، فبدأت بالعمل في الصوف، حيث تصنع ملابس للأطفال وبعض الحاجيات الصغيرة، وعلّمت هذه الحرفة لبناتها وأصبحن بدورهن يصنعن الملابس بحرفية عالية ويبعنها ما أتاح لهن مصدر دخل إضافي.

تشرح أم حامد أن مجتمعنا بات يعاني من مشكلة المظاهر الخادعة خصوصا عند النساء، وبتن يخجلن من العمل على الرغم من حاجتهن، وتشير بيدها إلى السيارة الفخمة المركونة أمام منزلها، وتقول (هذه سيارتي الشخصية، اشتريتها من عرق جبيني)، وتسألني: هل شاهدتني أركبها؟ بالطبع لا، لأنني لا أرتاح ولا أجد نفسي إلا خلف مقود هذا الفان، وكفانا خمولا وتصنعا ولتشمّر كل امرأة عن ساعديها وتعمل وتصرف من عرقها، ولتكن كتفا إلى كتف مع زوجها في هذه الحياة.

الجزارة‭ (‬جومانة‭).. ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬خبرتها
‏‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬إعداد‭ ‬الطعام‭ ‬وفتحت‭ ‬محلاً‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬زوجها‭ ‬لتعد‭ ‬الأصناف‭ ‬المطلوبة‭!‬
لم تتقبل السيدة جومانة فكرة مكوثها في المنزل وذهاب زوجها منذ الصباح الباكر إلى محل بيع اللحمة، وبعد طول تفكير قررت أن تستفيد من خبرتها في مجال إعداد الطعام وفتحت محلا إلى جانب زوجها لتعد الأصناف المطلوبة من ورق العنب، كبب، رقائق الجبنة، كبة بالصينية والعديد من الأصناف المنزلية، وسرعان ما بدأت الطلبيات تتهافت عليها.
مؤخراً وقع ما لم يكن في الحسبان، توفي زوج جمانة وترك على أكتافها حِملا ثقيلا، فدخلت في حالة صدمة، وحزن كبير عمّ منزلها، إلا أن هناك عائلة تعتمد عليها لتأمين المتطلبات، فلم تجد وقتا لتجلس في المنزل وتحزن، فاستجمعت قواها مرغمة ونزلت وأعادت فتح ملحمة زوجها وباشرت العمل والتنسيق بين المحلين.

منذ الصباح الباكر تشتري جمانة جميع المواد الأولية لصناعة المأكولات المطلوبة منها، وتساعدها أمها السبعينية المليئة بالنشاط والحيوية، تقسمان العمل فيما بينهما ومن لحظة دخولهما إلى المحل المشهد أشبه بخلية نحل، وقد استطاعتا أن تنالا ثقة الزبائن كونهما معروفتين بنظافتهما، وإعدادهما لأشهى الأطباق.

تقول جمانة (الأوضاع صعبة جداً، لكن لا يمكننا أن نجلس مكتوفي الأيدي ونتحدث عن أوضاع البلد المتردية، بل علينا أن نعمل بجد كي نأكل لقمة الحلال وأشتري أدويتي وأدوية أمي، وأهم ما في الأمر ألا نمد يد الحاجة لأحد، فالحاجة صعبة والحمد لله طالما أنني قادرة سأبقى أعمل وأحافظ على ملحمة زوجي وعملي الخاص، الله ما بيتركني).

المزارعة‭ (‬ليلى‭) ‬الخمسينية‭.. ‬جنباً‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬تعمل‭ ‬مع‭ ‬زوجها‭ ‬المزارع‭ ‬ملحم‭ ‬في‭ ‬الأرض‭!‬
هي تلك المزارعة الخمسينية التعبة، سرقت الأرض منها نعومة يديها وحفر عرق جبينها خطوطاً وتجاعيد على وجهها، وطبعت الشمس بصمتها على كيانها، لم تتعلّم أبجدية المدارس، بل تعلمت منذ صغرها في مدرسة الأرض زرعا وعناية وقطافا.
جنباً إلى جنب تعمل الحاجة ليلى مروّة مع زوجها المزارع ملحم في الأرض، ولأنهما لم يرزقا بأطفال باتت العناية بالمزروعات كل همهم، العمل لا ينتهي، بين تعشيب الأرض وفلاحتها، ونثر البذور والري وقطف المحصول، يمر النهار ثقيلا على كاهلهما، ليصلا إلى أولى ساعات المغرب متعبين وقد صرفا كل ما يحملانه من طاقة وقوة.
تخجل الحاجة ليلى عند توجّه عدسة الكاميرا نحوها، تضحك بعفوية ولا تعرف ماذا تقول، تمتد يدها إلى الأرض بحركة لا إرادية وتنزع بعض الأعشاب، تخبرني (الناس يتابعون أخبار الطقس في الصيف للذهاب إلى البحر، وفي الشتاء للخروج والتمتع بالثلوج، أما نحن فكل همنا من الطقس هطول الأمطار لسقاية المزروعات).

تحاول الحاجة ليلى أن تتحدث عن وجع وتعب السنين، إلا أنها لا تفلح وتضيع المفردات وتتلعثم، فتكتفي بالقول (الله أخبر)، إلا أن من يرى كفيها يعلم بكل معاناتها، وخطواتها المثقلة تخبرك عما فعله الزمان بها وبزوجها.
الجميل في ذلك المنزل الأرضي المتواضع حالة الرضا التي يعيشها ساكنوه، بعد انتهاء العمل في الأرض وقطف الزرع، يجلس الزوجان أمام منزلهما المستأجر ونتاجهما أمامهما بهدف تسويقه لبيعه، وفي مجمل الأحيان يكون القطاف محجوزا، فإنتاج الحاجة ليلى مطلوب أكثر من إنتاج السوق كونه صحيا لعدم استعمالها المواد الكيميائية.

أم حامد، جمانة، ليلى، وليلى، استطاعت هؤلاء النسوة أن يكسرن كل الحواجز، ويخطين بإرادتهن وتصميمهن كل الحواجز الوهمية التي رسمها المجتمع الذكوري لهن، وأصبحن جميعاً يداً عاملة تصنع كل الفرق. فكل التحية والاحترام لنصف المجتمع، لا بل كله.

الفرَّانة‭ (‬ليلى‭).. ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بلقب‭ ‬الأم‭ ‬ومدبرة‭ ‬المنزل‭ ‬فقررت‭ ‬فتح‭ (‬مخبز‭) ‬أو‭ (‬فرن‭) ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬منزلها‭.. ‬بمباركة‭ ‬زوجها‭!‬

لم تكتفِ السيدة ليلي بلقب الأم ومدبرة المنزل، فمنذ زواجها كانت فكرة فتح مشروعها الخاص تراودها، وبعد أن أصبحت ابنتها الكبرى بعمر يمكّنها من الاعتناء بإخوتها قررت ليلى أن تفتح إلى جانب منزلها فرنها الخاص بمباركة زوجها الذي بدوره موّل مشروعها وجهز لها المحل ودعمها.

تقول ليلى: في بداية الأمر استغربني الناس هنا، لأنهم لم يعتادوا على فكرة المرأة العاملة في مجالات كهذه، فالنساء العاملات في المجتمع اللبناني الجنوبي كن يعملن حصرا في مجال الزراعة أو الخياطة، وعندما كان يدخل أحدهم إلى محلي كان يتفاجأ بي، ومع مرور الوقت اعتادوا على الأمر وأصبحوا من زبائني ويطلبون معجناتي دون غيري.

تحدثني ليلى وهي تعد اللحمة بعجين، وتشير إلى ابنها للانتباه إلى المعجنات في الفرن، وتطلب من زوجها بلطف إعداد المزيد من العجين، (في بداية الأمر كان الهدف أن أعمل لأسس شيئا لنفسي، ومع الوقت أصبح الفرن مصلحة قائمة بحد ذاتها).
وتضيف:
عندما توقف زوجي عن العمل في مهنة (البلاط) بسبب قلة الورش، أمّنت له فرصة عمل إلى جانبي في الفرن، وأولادي الشباب باتوا يعملون معي وينتجون مصروفهم، وكان العمل في الفرن بمثابة مدرسة لهم تعلمهم كيفية الاعتماد على النفس، حتى بناتي عملن معي أيضا واعتمدن على أنفسهن بإدارة شؤون المنزل وأصبحن ستات بيوت، حسب تعبيرها.
تقول بفخر:
من خيرات هذا الفرن ومن تعب يدي مع زوجي علمت أولادي. وتستفيض بالشرح، (تمسك هاتفها وتخبرني): هذه تخرجت إدارة أعمال، وهذه تدرس اختصاصين في الوقت عينه..، وعلى صعيد الفرن فقد علمتُ المصلحة لعدد من الشباب في البلدة، والآن هم أصحاب مصالح وأرباب منازل، وما زالوا حتى الآن يشكرونني على ما علمتهم إياه.

تمسك ليلى الألواح الخشبية المحمّلة باللحمة بعجين وتضعها عبر مبسط حديدي في الفرن، تعدّل النار وتكمل حديثها: عملي متعب جداً، لكنني أحب العمل والتعامل مع الناس، ولا أحبذ فكرة أن تُبقي المرأة نفسها سجينة منزلها ويقتصر دورها على تربية الأولاد، فبتنا في زمن يجب على الجميع العمل لأجل عيشة كريمة، وقمة الفرح عندي أنني استطعت أن أساعد أولادي كي يشقّوا طريقهم ويكوّنوا أنفسهم، والأهم أنني قتلت فيهم الخمول وزرعت حب العمل بداخلهم وعدم الخجل من شيء ما دام برضا الله.

أسرتي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان
علي‭ ‬غندور

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق