عزيزتي غنيمةمقالات

عزيزتي غنيمه ولكن ليطمئن قلبي

عزيزتي  غنيمة:

أنا فتاة أبلغ التاسعة عشرة من العمر في المرحلة الجامعية، نشأت في بيئة ليست متعصبة جدا للدين وإنما تقوم بالفروض المطلوبة في سماحة ويسر، ولقد شرعت في الصلاة والصيام وقراءة القرآن وعمري لا يتجاوز الحادية عشرة.. الى الوقت الحاضر.

مشكلتي يا عزيزتي – وقد طرأت عليّ منذ سنتين تقريبا – أن هناك فترات تمر علي أجد نفسي وقد امتلأت رهبة وخشوعا الى الله عز وجل وأجد عيني وقد فاضتا بالدمع كلما ذكرته أو كلما هممت بالصلاة

وأذكر اسمه جل شأنه ليل نهار وأطلب ممن حولي أن يحمدوه ويصلوا له وأنا مؤمنة أشد الإيمان به وبوجوده وملائكته ورسله وكتبه… ولكن في فترات أخرى يساور عقلي الشك لكثرة التفكير به وأسأل نفسي أسئلة محرمة علينا ككيفية وجود الله ونشأته.

وأسأل كيف بنى وحده الكون وخلق كل المخلوقات على سطح الأرض ثم انني دائمة التفكير بحياتنا نحن البشر.. لماذا خلقنا ولماذا نعيش وهناك الأنفس الخبيثة الطاغية والقلوب القاسية والطبقات الاجتماعية البغيضة من غني وفقير وضعيف وقوي.. خلقنا للعذاب ولانتظار الموت.. نعم هذا جوابي دائماً.

أنا لا أشكوى من شيء ولله الحمد.. صحة وجمال ومال ولكني أتمزق غيظا وألما لما يعانيه الضعفاء من البشر المتمسكين بالأخلاق الفاضلة والعقيدة السامية الضائعة حقوقهم.. فيملأ نفسي التشاؤم وأتمنى الموت السريع والعيش في فسيح جنات الله بعيداً عن كل ما هو مؤلم وقاس.. ويطرأ علي ذلك ويا للعجب حين أقرأ القرآن فتجدينني أفكر وأتمعن في كل كلمة أقرؤها وبعضها أعيب عليها وأجد أنه لا داعي لذكرها فأضع الكتاب جانباً بعد قراءة آية من آياته البينات وقلبي يكاد يتمزق لهذا التفكير المخجل.

الكلمات البينات الهاديات من كتاب الله عز وجل أيعيب عليها أحد الا من كفر وطغى؟! أستغفر الله العلي العظيم اني أكاد أجن لخلو قلبي من الخشية والخشوع التي عهدتها في بعض الفترات.. بل أغلب أيام حياتي..

أختي العزيزة..

.. هل كل إنسان يمر عليه ذلك.. هل أنا إنسانة خلا قلبها من الإيمان أم هي وساوس الشيطان؟

أسعفيني بالله عليك، علما بأنني حتى بفترات الشك هذه أذكر الله وأنصح بفعل الخير وأواظب على الصلاة وقراءة القرآن. أنقذيني بربكم فضميري لا يكف عن تأنيبي لهذا الشك وأشعر بأن الله بقربي طوال الوقت مما يزيد في خجلي وبؤسي.. ولكم جزيل الشكر.

 

أختكم ب.ر

مرحلة الإغراق في المثالية الصوفية، والقلق والشك، مرحلة عادية في حياة كل من حبته الحياة نفسا صافية مرهفة الحساسية.

وعندما تفيض عيناك بالدمع وتحسين الرهبة والخشوع، وتجدين في نفسك الرغبة في الاندماج بالكون كله في دفق نقي من المشاعر، فأنت تعبرين عن مثالية ربيع العمر، التي ترى الأشياء ونقيضها بلا اهتزاز، الأبيض أبيض، والأسود أسود، والخير هو كل الخير، والهفوة هي الشر كل الشر.

وعندما تتساءلين عن الخلق وأسبابه، والشر ووجوده، والحياة وقسوتها، وتتصورين أن هذه المظالم ما كان لها أن توجد، وأن الكون ما كان يجب أن يعمره سوى الخير المطلق.. فأنت كذلك نوع من التوق لمثالية اجتماعية، عبر عنها الرسل والمصلحون عبر مختلف حقبات التاريخ الإنساني،

وأرادوا أن يرسموا للإنسانية طريقا خاليا من الخطايا والشرور، ولكن الحياة تسير دائما في نطاق قدرة الانسان «ذلك الكائن الغريب» على ممارسة الخير وميله أحيانا للخروج مندفعا لدوائر المعصية، والله سبحانه وتعالى منحنا الحياة، ثم العقل، ثم الإرادة،

وترك لنا اختيار المصير، لتكون الحياة تجربة، ولتكون ملحمة من الإرادة الخيرة وضدها، ومسرح هذه الملحمة هو الكون كله من الخارج، ونفوسنا ذاتها من الداخل.. وليس من بأس أن يبقى الشر في كلا الميدانين،

ولكن المطلوب أن نعمل على الخروج بأنفسنا وبالحياة ككل  في اتجاه الخير والحياة بلا معركة صراع حياة لا تعاش، ولذة المؤمن هي لذة انتصاره على ذاته وعلى التفاصيل الكثيرة للخسائس من حوله وتلك هي التجربة الكبرى التي نثاب عليها في النهاية كمؤمنين أقوياء أو العكس.

ولذلك فإن رؤية الشر حولنا لا تجعلنا نتمنى الموت هربا، بل هي الحافز الأساسي للمقاومة في اتجاه الخير، والمبرر العظيم لحياة الطيبين الإيجابيين من البشر.

أما الأسئلة المتشككة في ذات الخالق جل وعلا، فمرحلة الشك تلك مرحلة طبيعية يمر بها كل المؤمنين إيمانا صحيحا مبنيا على القناعة العقلية فالوجدانية، فسيدنا إبراهيم طلب من الله البرهان.

واقرئي ذلك في القرآن الكريم الآية (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن  قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، إن القرآن هنا يضع مبدأ القناعة العقلية التي تجعل نبيا مختارا يطلب البرهان من الخالق، وليست القضية هنا قضية سيدنا إبراهيم بل هي قضية الإنسان ككل وموقفه من الإيمان كخط في حياته..

والوصول الى الإيمان لا يأتي بالتسليم وحده، بل يأتي بالتفكير ثم العبادة، والوصول الى الله عن طريق العقل، وهذا الطريق ليس محظورا في الاسلام بل هو الطريق الأسلم للإسلام وتلك القيمة الكبرى فيه كعقيدة. وليست هذه وساوس الشيطان،

بل هو نداء العقل المندفع نحو الإيمان الحق، ووسوسة الشيطان هي التي تدفع للعمل الشرير الذي يدفع الذات أو الغير لممارسة الخطايا، أما التفكير فهو ميزة الإنسان كإنسان، ولم يكن يوما بخطيئة… فلا تخافي.

 

عام 1970

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: