تحقيقات

غير مشهورة مثل أخيها ست الشـام أم الملوك والفقراء وراعية العلم

غير مشهورة مثل أخيها ست الشـام أم الملوك والفقراء وراعية العلم

ربما تكون هذه أول مرة تسمعون فيها باسم هذه المرأة، فحتى اسمها (زمرد خاتون) غريب وغير شائع، ولكنكم بالتأكيد تعرفون أخاها، فهو أشهر من نار على علم، زمرد خاتون الملقبة بست الشام هي الشقيقة الصغرى للبطل صلاح الدين الأيوبي، الذي حرر القدس من الإفرنج، في معركة حطين الشهيرة سنة 1182م.

ولنتوقف قليلا مع اسمها فمعنى زمرد خاتون، الزمرد من الأحجار الكريمة ولونه أخضر شفاف، وخاتون لقب للمرأة المحترمة، واستخدامه شائع بين العرب.

«ست الشام» هي الأميرة زمرد خاتون بنت الملك نجم الدين أيوب التي تعتبر الجندي المجهول الذي قام على إعمار المدارس والاهتمام بالأدب والأدباء والعلم والعلماء والفقراء والمحتاجين، ألقابها كثيرة هي السيدة الأميرة وأم الفقراء وراعية العلم.

سخرت دارها لصناعة العقاقير والأدوية للمجتمع

ولدت بدمشق، ونشأت في كنف والدها نجم الدين أيوب بن شاذي، وكان من كبار رجالات السلطان نور الدين محمود بن زنكي، وكان عمها أسد الدين شِيركوه من كبار قواده.

تزوجت في بداية حياتها من محمد بن عمرو بن لاجين، وهو رجل لم يذكر لنا التاريخ شيئا من أخباره، وأنجبت منه وحيدها حسام الدين بن لاجين،

ثم تزوجت من ابن عمها، ناصر الدين محمد بن شيركوه، وكان صلاح الدين قد ولاه حمص منذ سنة 570هـ/1175م، وبقيت عنده إلى حين وفاته فجأة في 9 ذي الحجة سنة 581 هـ/1186 م، وورثت منه ثروة عظيمة.

يلقبونها بابنة الملك، وأم الملك، وأخت الملوك

قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي:

كانت سيدة الخواتين، عاقلة، كثيرة البر والإحسان والصدقات وكان يعمل في دارها من الأشربة والمعاجين والعقاقير في كل سنة بألوف الدنانير» ولذلك يلقبونها بابنة الملك، وأم ملك، وأخت الملوك وعماتهم، لها من الأقارب المحارم 35 ملكا، هذه المكانة الرفيعة لم تحرك فيها الغرور،

بل جعلتها تسخر مكانتها وثراءها للعلم الشرعي، وخدمة الفقراء.

 منزلها الكبير جعلته مقصدا لطلاب العلم وحفظ القرآن، وجلبت خيرة المدرسين، قال عنها الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء: «خاتون أخت السلاطين.. لها بر وصدقات وأموال وخدم.

سخرت طاقتها لتعليم ابنها حسام الدين، فكان لها ما أرادت، امتاز ابنها بالشجاعة والكرم بين أقرانه، فقربه إليه خاله صلاح الدين،

وعقب رجوعه من الحج مع والدته ست الشام سنة 582 هـ/ 1187 م حضر معركة حطين سنة 583 هـ /1187 م، فكان لصلاح الدين من أعظم الأعوان،

فأرسله عقب المعركة مع فرقة من العسكر إلى نابلس ففتحها بالأمان، فولاه عليها حتى وفاته بدمشق في رمضان سنة 587 هـ/1191 م، وفجع صلاح الدين بوفاته، وفجعت ست الشام بوحيدها، ودفنته في التربة التي كانت بيتها لزوجها ناصر الدين في مقبرة العوينة، فأصبحت تعرف بالتربة الحسامية نسبة إليه.

حولت منزلها الى مستشفى عسكري يقدم الرعاية الطبية للمصابين

استطاعت زمرد أن تحول بيتها إلى امتداد للفضاء العام، بحيث أصبح بيتها جزءا من المجتمع نفسه، فسخرت منزلها ملاذا للخائفين من النساء والأطفال والجرحى من المقاتلين في أثناء حروب شقيقها على الجبهة ضد الافرنج، ففي الوقت الذي كان صلاح الدين يقاتل ويحرر المدن،

كانت زمرد خاتون في الداخل تسعف الجرحى وتؤوي المتضررين نفسيا وجسديا من الحرب، كان منزلها ملجأ للمدنيين من لهيب المعركة وشراسة العدو، وبالأصل أن هذا دور الدولة عادة، ولكن أن تسخر امرأة منزلها الشخصي كملجأ وبمبادرة ذاتية لم يفرضها عليها أحد، وبإقامة وخدمة مجانية فهذا اللافت والمتميز.

ولم تشتهر زمرد على نفس مستوى شهرة من شاركوا في حطين، لأن الناس في معادلة النصر والهزيمة، تركز على ما يحدث في جبهة القتال، ولكن زمرد قامت بدور لا يقل أهمية عن دور المقاتلين، فلم تكتف بتحويل بيتها إلى ملجأ وملاذ للمدنيين، وإنما إلى مستشفى عسكري يقدم الرعاية الطبية للمصابين.

وكانت زمرد تستقطب أفضل الأطباء وأفضل الممرضين، وتدفع لهم أجورا جيدة، وكانت تجلب أفضل الأدوية جاهزة من بلدان مختلفة وتخزنها في بيتها لتوزيعها على من يحتاجها من المرضى الفقراء، فكان بيتها صيدلية مناوبة طوال السنة، لتوزيع الأدوية مجانا،

وتوفر للأطباء ما يحتاجونه من مال ومواد طبية ومختبرات لتصنعها في منزلها، ولم تكن أدوار زمرد في التطوع والإغاثة موسمية أو مرتبطة بظروف الحرب، وإنما كانت ممتدة طوال السنة، في الحرب والسلم ودون دوافع مصلحية أو مادية، كانت تشتري الأدوية وتوزعها مجانا على الفقراء،

ومن هنا يمكن اعتبار أن زمرد أسست دار الحكمة في منزلها بجلبها الأدوية من فارس والهند والصين وتصنيع العقاقير وتوزيعها.

وذكر ابن كثير في تاريخه:

كانت من أكثر النساء صدقة وإحساناً إلى الفقراء وتعمل في كل سنة في دارها بألوف من الذهب أشربة وأدوية وعقاقير وغير ذلك فيفرَق على الناسة حتى عرفت بين معاصريها بمحبتها للخير وإيثارها لأهله.

أبرز ما قامت به إنشاء مدرستين عظيمتين

  • المدرسة الشامية البرانية:

أنشأتها سنة 582 هـ، وتعرف بالمدرسة الحسامية نسبة إلى ابنها الأمير حسام الدين، وقد عينت فيها خيرة علماء عصرها، واشترطت عليهم ألا يدرسوا بمدارس أخرى لضمان تفرغهم وتلبية حاجة الطلبة من الاهتمام الكافي.

  • المدرسة الشامية الجوانية:

يذكر المؤرخ شهاب الدين النويري أن الخاتون ست الشام عندما لحق بها المرض «جعلت دارها مدرسة ووقفت عليها وقوفا» حتى أصبحت من أكبر المدارس وأعظمها، وأكثرها فقهاء، وأكبرها أوقافا.

هذا وقد ذكرت ست الشام في نص الوقفية أن من شرط الفقهاء والمتفقهة والمدرس والمؤذن والقيم أن يكونوا جميعا من أهل الخير والدين والصلاح والعفاف وحسن الطريقة وسلامة الاعتقاد والسنة والجماعة.

أما عن وفاتها ففي يوم الجمعة الموافق للسادس عشر من ذي القعدة سنة 616 هجرية.. توفيت ست الشام بدمشق بدارها المقابلة للبيمارستان النوري بجنازة رهيبة تحدثت عنها الركبان؛ فقد سار الناس وراء نعشها بالآلاف وهم يرددون الأدعية لها حيث دفنت مع ولدها حسام الدين، ويقال ان جنازتها كانت فريدة إذ لم تشيع امرأة قبلها بمثل ما شيعت به خاتون ست الشام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: