تحقيقات

لأول مرة الأسير المحرّر : طارق جاسم الصانع يروي لـ أسرتي   حكايات وطن لم تُكتب بحبر الأقلام بل بدماء الشهداء

داخل‭ ‬كل‭ ‬أسير‭.. ‬حكايات‭ ‬صبر‭ ‬وتضحية

بعد‭ ‬مرور‭ ‬30‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت‭ ‬من‭ ‬العدوان‭ ‬العراقي‭ ‬الغاشم‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬تناول‭ ‬ملحمة‭ ‬وطنية‭ ‬كبيرة‭ ‬عاشها‭ ‬أهل‭ ‬الكويت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭ ‬عجاف،‭ ‬ولكنها‭ ‬بكل‭ ‬قصصها‭ ‬وآلامها‭ ‬ومعاناتها‭ ‬تبقى‭ ‬محطة‭ ‬وطنية‭ ‬أثبت‭ ‬خلالها‭ ‬الكويتيون‭ ‬تمسكهم‭ ‬بوطنهم‭ ‬وتماسكهم‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬المحن‭.‬
وفي‭ ‬إحدى‭ ‬صور‭ ‬توثيق‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬يأتي‭ ‬حديث‭ ‬الأسير‭ ‬المحرّر‭ ‬‮«‬طارق‭ ‬جاسم‭ ‬الصانع‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬تجربة‭ ‬الأسر‭ ‬بكل‭ ‬معاناتها‭ ‬وقسوتها‭ ‬مع‭ ‬مئات‭ ‬الأسرى‭ ‬الكويتيين‭ ‬بين‭ ‬المعتقلات‭ ‬العراقية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يمنّ‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬الكويت‭ ‬بالحرية‭.‬
داخل‭ ‬كل‭ ‬أسير‭ ‬هناك‭ ‬حكايات‭ ‬صبر‭ ‬وتضحية‭ ‬كبيرة‭ ‬يحملها‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬30‭ ‬عاما‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬يروي‭ ‬الأسير‭ ‬المحرّر‭ ‬‮«‬طارق‭ ‬جاسم‭ ‬الصانع‮»‬‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬أسرتي‮»‬‭ ‬حكاية‭ ‬وطن‭ ‬لم‭ ‬تكتب‭ ‬بحبر‭ ‬الأقلام‭ ‬بل‭ ‬سُطرت‭ ‬بدماء‭ ‬الشعب‭ ‬الكويتي‭.. ‬وقال‭:‬

حديثي‭ ‬تكريماً‭ ‬لشهداء‭ ‬الوطن‭ ‬والتضحية‭ ‬بأرواحهم‭ ‬مقابل‭ ‬التحرير

وهنا‭.. ‬بدأت‭ ‬المقاومة
في البداية، حديثي تكريماً لشهداء الوطن والتضحية بأرواحهم مقابل التحرير، ومن واجبنا أن نسرد بعض الأحداث التي عايشناها وأحداث الأبطال الشهداء الذين ذهبوا فداء للوطن ولم نُسمع قصصهم وحكاياتهم.

بعد‭ ‬الصدمة‭ ‬بدأ‭ ‬الناس‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬أسلحة؛‭ ‬وفُتحت‭ ‬مخازن‭ ‬السلاح‭ ‬لوزارة‭ ‬الداخلية‭.. ‬وهنا‭ ‬بدأت‭ ‬المقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬

في 02/08/1990 كانت الصدمة على كل الكويتيين ومن يقيم على أرض الكويت نتيجة الغدر أو كما يقال عنصر المفاجأة! بعد الصدمة بدأ الناس يبحثون عن أسلحة؛ لأن الجيش كان مشتبكا مع العدو في (جيوان)، وهي منطقة بها معسكرات الجيش، تم فتح مخازن السلاح التابعة لوزارة الداخلية في الشويخ للمواطنين، لكن الكمية لم تكف الجميع بالطبع.. وهنا بدأت المقاومة تأخذ دورا كبيرا خاصة في منطقة كيفان.
تم التمركز في مخفر كيفان، واشتد القصف على معسكر الجيوان، فانتقل عدد كبير من أبناء الكويت إلى منطقة كيفان للاجتماع في منزل المرحوم عبداللطيف عبدالحميد الصانع؛ للتشاور والتخطيط للمرحلة التالية.

الوالدة‭ ‬أم‭ ‬خالد‭ ‬الصانع‭ – ‬رحمها‭ ‬الله‭ – ‬مثال‭ ‬للمرأة‭ ‬الكويتية‭ ‬البطلة‭ ‬الشجاعة

أم‭ ‬خالد‭ ‬الصانع‭ ‬كان‭ ‬همها‭ ‬أن‭ ‬يأكل‭ ‬الجنود‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يذهبوا‭ ‬للمخفر

في‭ ‬منزل‭ ‬عبداللطيف‭ ‬عبدالحميد‭ ‬الصانع
مع الأيام الأولى للغزو وفي منزل عبداللطيف عبدالحميد الصانع كان كل من الأسير الشهيد خالد عبداللطيف عبدالحميد الصانع، وشقيقه الأسير المحُرّر خلدون عبداللطيف عبدالحميد الصانع، يزودان الجنود الكويتيين المتجهين إلى مخفر كيفان بسلاحهم والتخفي في الدشداشة، حيث تم حفظ ملابسهم وهوياتهم العسكرية في منزل أسرة المرحوم عبداللطيف عبدالحميد الصانع، أما الوالدة أم خالد الصانع − رحمها الله − فهي مثال للمرأة الكويتية البطلة الشجاعة، هي الظهر والسند القوي، الصامدة الثابتة المؤمنة، لم تخف ولم تجزع، في أول يوم للغزو وبلدها يُجتاح، ومنزلها مليء بالجنود الكويتيين والأسلحة، رغم كل هذا كان همها شد الأزر ورفع الهمم، وأن يأكل الجنود قبل أن يذهبوا للمخفر.. كانت تقول: شكلهم جائعين.. يجب أن يأكلوا∪!
والجنود كان يشغلهم التوجه فوراً للمخفر حتى لا يسقط في يد القوات العراقية، وانضموا إلى إخوانهم في مخفر كيفان.

بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬احتكاك‭ ‬مع‭ ‬الحرس‭ ‬الجمهوري‭.. ‬بالصدفة‭!‬

القصف كان كثيفًا جدا ويشتد يوما بعد يوم، بعدها حاصروا منطقة كيفان من جميع الاتجاهات بالدبابات في الشوارع المحيطة بالمنطقة، وفوق جسور المشاة تمركزت القوات العراقية من فرقة الحرس الجمهوري المدجج بالسلاح في كل مكان، خاصة القريبة من المخفر.

أول‭ ‬احتكاك‭ ‬مع‭ ‬الحرس‭ ‬الجمهوري‭ ‬بالصدفة
بالنسبة لي، كان أول احتكاك مع الحرس الجمهوري بالصدفة! أول الأيام، كنت ذاهب إلى منطقة الخالدية على الدائري الرابع، شاهدت سيارة مرسيدس جديدة، وفيها بنات بالأمام وعسكري عراقي من الحرس الجمهوري جالس في الخلف، والضباط حولهم من كل اتجاه، فأوقفت سيارتي وتوجهت لهم لأطمئن على البنات، وإذا بعدد منهم يحاوطني ورشاشات موجهة إليَّ.. وسألوني: هل تعرفهم؟.. أجبت: نعم،
هن بنات عمي! ثم بادر بطلب البطاقة.. أخرجت البطاقة المدنية ومسكتها بيدي، وسألت البنات: ∩تبون شي؟∪ ∩تبون مساعدة؟∪ فردت عليَّ إحداهن: شكرًا عيني! عرفت أنهن من المخابرات العراقية.. كان يريد أن يأخذ البطاقة، لكنني ركبت السيارة بسرعة وانطلقت!
في تلك الفترة صار العمل تطوعيًّا، وبدأ الكويتيون مع الوقت تنظيم معيشتهم، فكان الأهالي منتظمين ومنظمين من أول الأيام، ورتبوا أمورهم، وكانوا ملتزمين باتباع التعليمات من شباب المتطوعين في المستشفيات وطرق العلاج ونظافة المنطقة وخدماتها.

التطوع‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬جمعية‭ ‬كيفان
قررت التطوع للعمل في جمعية كيفان، وكذلك الأسير الشهيد خالد وشباب المنطقة، ذهبت للجمعية للتطوع لاحظت وجود حواجز حديدية بالشارع تابعة لوزارة الأشغال والطرق، أخذتها معي للجمعية ورتبت الحواجز لتنظيم الدخول والخروج عند بوابات الجمعية للتحكم والسيطرة، وبالفعل افادتنا كثيرا هذه الحواجز!
بدأنا كشباب كويتيين بتنظيم دخول الناس إلى الجمعية بالبطاقة المدنية لأهالي كيفان الكويتيين والمقيمين، ولم تكن المهمة سهلة، كانت مليئة بالمخاطر، خاصة أن دخول الجمعية للأهالي والأفراد وليس للعسكريين! ومن هنا كانت المعاناة! حيث كنا نمنع دخول أي عسكري إلا للحالات القصوى وبدون أي سلاح.

تعاظمت‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬شكلتها‭ ‬القوات‭ ‬العراقية؛‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬الجنود‭ ‬العراقيون‭ ‬كالوحوش‭ ‬التي‭ ‬تتربص‭ ‬بفريستها‭!‬

مهمة‭ ‬عسكري‭ ‬عراقي‭.. ‬ضرب‭ ‬امرأة‭ ‬فلسطينية‭ ‬كبيرة‭ ‬العمر‭ ‬
وتعاظمت المأساة التي شكلتها القوات العراقية؛ حيث أصبح الجنود العراقيون كالوحوش التي تتربص بفريستها، وفي يوم حوالي الساعة 8 صباحا حيث كنا نبدأ بالسماح بدخول المواطنين والمقيمين إلى الجمعية على دفعات، إذ بعسكري عراقي يريد دخول الجمعية بسلاحه وكنا نعرفه، فأوقفته، وقلت له: ممنوع دخول السلاح، (وهذا بحد ذاته يشكل خطرا عليّ وعلى الشباب ومن هو متواجد في الجمعية).. قال لي: أنا في مهمة خاصة! سألته: ما المهمة؟!
أشار لي تجاه امرأة فلسطينية كبيرة بالعمر، وقال لي: ∩إنها تحدثت عن الرئيس صدام كلام مو زين∪، فأدركت أنه سوف يأخذها أسيرة! وعلمت منه ان هذا الحديث دار بينها وبين امرأة فلسطينية أخرى (زوجة إمام المسجد)، وهي تشتكي لها وتقول: ∩حرام اللي صار وقاعد يصير! احنا بخير وعايشين بخير، وصدام راح يخرّب علينا!∪.. قالت هذه الكلمات على نياتها وتتحدث بصدق! ولم تكن تعلم أن زوجة الإمام وشت بها وأخبرت العساكر العراقيين عنها، وأنهم ينتظرونها خارج بوابة الجمعية للقبض عليها!

كنت أريد إنقاذها، لكن العسكري كان لنا بالمرصاد! ذهبت للمرأة وهي تحاسب عند الكاشير وتستعد للخروج من الجمعية، قلت لها: حسابك به غلط، ولابد أن تتوجهي معي للإدارة لتعديل الفاتورة، وكنت متفقا مع الكويتيين الشباب أن نهربها من البوابة الخلفية، ولكنها أصرت أن تخرج من البوابة الأمامية، ولم تستوعب المغزى من وراء طلبي، وكان العسكري متواجدا بالقرب منا، وعندما خرجت أمسكوا بها وطرحوها أرضا وانهالوا عليها بالضرب المبرح من كل اتجاه وبقسوة وبقوة حتى خارت قواها وأخذوها إلى المخفر، وكان معها طفلة صغيرة! حصلنا منها على رقم هاتف شقيقها، واتصلنا به ليأخذ البنت وأخبرناه أنها بالمخفر، وتم الاعتداء عليها وقلنا له لن ينقذها إلا منظمة التحرير حاول التواصل معهم أملا في إنقاذها، وبالفعل تم الإفراج عنها ليلا وهي في حالة يرثى لها.

كانت‭ ‬ممارسات‭ ‬النهب‭ ‬من‭ ‬البداية‭ ‬صفة‭ ‬أساسية‭ ‬للاحتلال‭!‬

أما الحدث الثاني فقد كان قبل الأسر − وهذه مقتطفات قليلة من كثير− حيث كانت ممارسات النهب من البداية صفة أساسية للاحتلال، لكنها تزايدت بكثافة في الشهر الثاني.. كل ما له قيمة جرى تفكيكه وحملته الشاحنات، نُهبت أجهزة أساسية من المستشفيات والمنشآت الحكومية والمصانع والمراكز العلمية والميناء والمكتبات، ففي يوم الساعة 8 صباحا بدون أي مقدمات وصل فوج من الضباط، كان عددهم كبيرا.. تقريبا فوق المائة ضابط رتبهم عالية، أقلهم عميد في الجيش، دخلوا إلى الجمعية، ولكني رفضت دخول الضباط بسلاحهم، ودخل ضباط الحرس الشخصي للجمعية، وسمحنا للضباط بالدخول فقط، فما كان من العسكر المنتظرين في الخارج إلا أن قاموا بتهديدي بالسلاح إذا خرجت! خلال ساعة حمَّل الضباط كل واحد من الضباط 6 عربات تقريبا مليئة بالأغراض والأكل ويريدون الدفع بالعملة العراقية.
ولم يتركوا الجمعية إلا وهي خالية تماماً من أي أكل أو أغراض! أصبحت خالية، والناس (الكويتيين أهالي المنطقة وغيرهم) المدنيين بالخارج ينتظرون دورهم.. ذهبت إلى المخفر، لا أعرف أي شخص، تحدثت مع القائد عن معاناة الناس وأن الجيش نهب أغراض الجمعية وهي جمعية أهلية للأهالي فقط! فأرسل معي شخص عراقي أسمر داكن البشرة لابس بلسوت أخضر (لبس بسيط غير عسكري مما أثار دهشتي) وفي يده كتاب أخضر!
حدثت نفسي قائلا ∩رحنا فيها∪؛ لأن الذي بالجمعية ومن نهبها أقل واحد رتبة منهم عميد وهذا لابس بلسوت عمّال!
فتح باب الجمعية وأنا أقف معهم عند الكاشير، ثم ضرب الكتاب بقوة على الطاولة، وقال لهم كل واحد يترك الأغراض ويطلع بسرعة! وفعلاً الكل ترك أغراضه وهرول للخارج مطأطئين رؤوسهم، يتوعدونني إذا رأوني! وبالفعل تم إرجاع البضاعة المنهوبة كاملة إلى الأرفف، وأدخلنا أهالي كيفان.
وصاح أحد الضباط قائلا لي: ∩مو شايفين أهالينا منذ الحرب مع إيران∪، ثم أخرج من ملابسه قطعة ملابس عبارة عن فستان صغير، قال هذا فستان بنتي ما شفتها، بس أشم رائحتها!
بعدها استبدلوا بالحرس الجمهوري الجيش الشعبي، وكان التعامل معه أبسط مقارنة بالحرس الجمهوري؛ لأنه من عامة الشعب وغير مدرب وحياتهم ومعيشتهم كانت صعبة.
أخبرتهم في إحدى المرات أن صدام مزق معاهدة الجزائر مع إيران، وتم إعلان ذلك في التلفزيون، وصاروا يسبون ويقذفونه بالكلام البذيء، ويقولون نحن منذ 8 سنوات نحارب وفي النهاية يمزقها (ابن الكلب)! كما طلبوا مني الدخول للجمعية، قلت لهم على شرط عدم التعرض لأهالي المنطقة، وتلبسون دشاديش، وبالفعل جاءوا إلي بالدشاديش والغتر، اشتروا أغراض وصاروا كلما رأوني يقولون لنا ∩اللهم ينصركم∪.. هذه الأفعال رفعت من معنويات الناس والمتطوعين، وكان ضباط منهم يقولون لنا: ∩احنا كنا ماخدين فكرة عن الكويتيين انهم اتكاليين، وما يعرفون يعملون أي شيء! تفاجأنا فيكم! من نساء ورجال وأطفال أيضا! منظمين وتشتغلون كل شيء∪!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: