ثقافةزوايا

صناعة الخزف بالصعيد..أنشودة فنية لفتت أنظار العالم

هو أحد الصروح الفنية في جنوب الصعيد، وقبل أن يكون مصنعا لإنتاج قطع فنية وأوان خزفية، يظل مصنع الخزف الذي تحتضنه قرية جراجوس بمركز قوص بمحافظة قنا شاهدا على هذا الإبداع الصعيدي المتميز،

كما أنه بمثابة مدرسة لتعليم حرفة الخزف لشباب الصعيد، إضافة الى أنه ملتقى ثقافي فني للسائحين والمشاهير والمبدعين الذين يأتون من كل بقاع الأرض لمشاهدة المنتجات الخزفية المتميزة

التي يصنعها عدد من الفنانين المحترفين قلما يوجد مثلهم في منطقة الشرق الأوسط. كما أن منتجات المصنع لم تكن هي الوحيدة التي ساهمت في جذب أنظار السياح والمشاهير اليه،

بل ساهم في ذلك البناء المتميز للمصنع الذي أبدعه المهندس المعماري الشهير حسن فتحي، صاحب فكرة عمارة الفقراء، حيث قام بتصميمه بنظام القباب لتحمل حرارة الجو القاسية بصعيد مصر أثناء العمل.

ولإلقاء الضوء على هذه الصناعة وعمليات تشكيل الخزف فنيا، قامت «أسرتي» بزيارة مصنع الخزف بجراجوس والتقت المهتمين والباحثين والحرفيين، واليكم التفاصيل:

 

شومان: جراجوس حافظت على جزء مهم من تراث مصر في مجال صناعة وتشكيل الخزف

 

في البداية التقينا الباحث المصري الكبير في التراث الشعبي الجنوبي مسعود شومان وأحد الذين زاروا مصانع الخزف بجراجوس، حيث أكد قائلا:

تمثل فاخورة جراجوس واحدة من الفواخير المتميزة التي حافظت على جزء مهم من تراث مصر في مجال صناعة وتشكيل الخزف، ويقوم العمل فيها كما في معظم الفواخير على التراتب بين المعلم والصانع والصبي،

كما يتم توزيع العمل بين من يقومون على أمر تجهيز الطينة أو من يقفون على الدواليب ومن يقومون بوسائط التجميل أو من يقومون على أمر حرق المنتجات الخزفية،

وتتميز منطقة جراجوس بالجمع بين جماليات الصناعة عبر رسم مجموعة من الموتيفات المصرية التي تتراوح بين الأشكال الهندسية والنباتية والرموز التي لها صلة برموز المصريين القدماء كرمز النيل،

وما زالت تقاوم جراجوس زحف المدنية التي حقرت من شأن بعض صناعات الفخار والخزف وغيرها وأهميته لتعلن عن نفسها بوصفها منطقة من أهم مراكز صناعة الخزف في مصر.

 

الشباط: الخزف الصعيدي يلفت الأنظار في

أكبر المعارض والمتاحف الأوروبية

 

بينما يقول الشاعر والباحث أحمد الشباط وأحد المهتمين بهذا التراث الجنوبي:

إن مصنع الخزف بجراجوس يعتبر من العلامات البارزة والمميزة للقرية، حيث إن هذا المصنع يعد من أقدم معالم جراجوس، حيث وجود هذا المصنع ومنتجاته المتميزة وزيارة السائحين للمصنع أكسب القرية شهرة عالمية،

كما أن الباحثين والفنانين والشعراء وكل من يهتم بالفن والإبداع يتوق لزيارة بلدتنا حتى يتعرف أبناء هذا الجيل على أهمية المصنع ومكانة المبدعين المشتغلين بهذا الفن اليدوي الأصيل والمميز.

ويضيف الشباط: انطلقت القطع الخزفية بأشكالها وألوانها المميزة من أماكن التصنيع الى صالات المعارض الكبرى على مستوى جمهورية مصر العربية منها:

المعرض السنوي للخزف بمدينتي القاهرة والاسكندرية. كما تم عرض منتجات الخزف في أكبر المعارض والمتاحف الأوروبية من خلال ما حمله السياح الزائرون والمهتمون بهذا الفن.

ويؤكد الشباط أيضا أن تميز واختيار قرية جراجوس من قلب الصعيد الجواني لهذه الصناعة،

بسبب قربها من مدينة طيبة الفرعونية، واهتمام أجدادنا الفراعنة القدماء بصناعة الخزف قديما كما أوردته البرديات التي تم الكشف عنها في مقابرهم وكذلك أواني الخزف التي وجدت داخل تلك المقابر.

 

سيدهم: صناعات الخزف في الصعيد امتداد لحرف وصناعات أجدادنا الفراعنة

 

ومن داخل مصانع وورش وصالة عرض المنتجات التقينا عددا من الحرفيين والمروجين لهذه الصناعة وفناني تشكيل الخزف الذين حاورتهم «أسرتي».

الحرفي فواز سيدهم قال لنا: صناعة الخزف بقرية جراجوس من أقدم الصناعات في الصعيد وهي امتداد لحرف وصناعات أجدادنا الفراعنة،

وقد بدأنا التجديد في هذه الصناعة حسب سنة التطور والتكنولوجيا الحديثة، فقد بدأت الفكرة على يد المهندس المصري حسن فتحي رائد عمارة الفقراء في صعيد مصر عام 1955،

وبدأ بتنظيم ورشة صناعة الخزف بالقرية، تم بناؤها بالطوب اللبن على شكل قباب، بشكل يتكيف مع بيئة القرية، وقام ببناء مصنع صغير للخزف وقسم المكان الى غرفتين، الأولى للإنتاج والثانية للعرض.

هذا، وقد راعى المهندس حسن فتحى عند التصميم وجود فتحات هواء ومداخل طبيعية تنسجم مع البيئة الخارجية لمبنى المصنع، وبعد أن تم البناء بأيام

وصل صاحب شركة خزف فرنسي لتدريب الشباب في القرية على تقنيات جديدة لصناعة وإنتاج الخزف  الذي يتجمل باللون الفيروزي والأزرق، وأحيانا يميل إلى الرمادي.

وتضم صناعة الخزف تصاميم قديمة على شكل أسماك وطيور، وتنتج من الطين الأحمر (الطمي الأسواني).

أما إسحاق يوسف وهو من الحرفيين المشهورين في صناعة وتشكيل الخزف فيقول: أهم مراحل صناعة وتشكيل الخزف تتمثل في الآتي:

– إحضار الطمي الأسواني عن طريق مراكب عبر نهر النيل.

– تخزين الطمي في المصنع لعدة أيام، ثم وضعه في أحواض لاستخلاص الشوائب وتشكيله على أيدي الفنانين المختصين بتشكيل الخزف.

– تشكيل الأكواب والأطباق بمختلف أحجامها وأشكالها وألوانها المختلفة.

– وضع المنتج في دولاب للتجفيف، ثم وضع ألوان خفيفة على القطع من الخارج مع بداية التجهيز، وقبل دخوله الفرن حتى يتم تثبيت الألوان.

وأشار إسحاق الى أن هذه القطع لديها القدرة العالية على تحمل درجات الحرارة الشديدة، كما أنها أثبتت كفاءة عالية في الاستخدام المنزلي.

 

الخليلي: ملكة السويد زارت مصانع الخزف بجراجوس وأشادت بإبداعات الحرفيين

 

ويؤكد الشاعر أحمد الخليلي وأحد المهتمين بفن تشكيل الخزف قائلا:

وصلت جراجوس للعالمية بسبب شهرتها في في صناعة تشكيل الخزف ومن خلال المعروضات في الدول الأوروبية،  ما جعل ملوك بعض الدول الكبرى تزور هذه القرية للاطلاع على هذا الإبداع الراقي،

ومن ملوك الدول التي زارت قرية جراجوس ملكة السويد عند زيارتها لمدينة الأقصر القريبة من هذه القرية، وكانت تتشوق إلى زيارة مصانع الخزف وترى مراحل صناعته على الواقع حتى إنتاج هذه القطع الفنية التي أبهرت العالم بجمالها.

أما رياض كامل وهو من أقدم الحرفيين في صناعة الخزف فقال لـ «أسرتي»:

في القرن التاسع عشر زار قرية جراجوس صموئيل وهو من التبشيريين وقام بافتتاح مصنع الخزف بعد تطويره،

وأقام عددا من الورش لتعليم الفتيات فن صناعة الخزف وتشكيله، كما أنشأ المستوصف الطبي لعلاج المرضى العاملين في مصنع الخزف والورش، كما امتدت خدمات المستوصف لتشمل القرية بالكامل تشجيعا لهذه الصناعة.

وفي لقائنا  أيضا مع أحد مشرفي التدريب على الورش وهو الفنان نصير رنان،

أثنى على عدد من فناني صناعة الخزف الذين قامت على أكتافهم هذه الصناعة وحافظوا على هذا التراث الرائع

ومن بينهم يوسف فهمي وثابت لبيب وفواز سيدهم ورياض كامل وسعيد أنطون وعبدالمسيح ابراهيم وإسحاق يوسف ومحسن نصير.

واستكمل قائلا:

من أشهر التماثيل التي تم إنتاجها بالمصنع تمثال الزعيم جمال عبدالناصر والأستاذ يوسف فهمي موسى مؤسس المصنع.

كما يؤكد رنان أن هناك عدداً كبيراً من المشاهير بينهم شعراء وفنانون وملوك دول زاروا قرية جراجوس للاطلاع على فن صناعة الخزف،

وكان الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي يحرص سنويا هو وأسرته على زيارة المصنع والالتقاء بالحرفيين والاشادة بإبداعاتهم.

 

أجرى التحقيق: أشرف ناجي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق