اكسسواراتالنصف الحلو

Adidas و Puma.. قصة «الإخوة الأعداء».. بنكهة رياضية

العداء بين الشقيقين أنتج ابتكارات غيَّرت من شكل الأحذية الرياضية

من منا لم يقرأ أو يسمع عن رواية «الإخوة كرامازوف» للكاتب الروسي العالمي فيودور دوستويفسكي، هذه الرواية التي تسرد قصة الاخوة الاكثر عداءً في تاريخ الأدب والتي تحولت مع الوقت إلى أعمال سينمائية، منها الفيلم العربي «الإخوة الأعداء»، وتلفزيونية وترجمت بكل اللغات. ولكن ما لا يعلمه الكثيرون أن «الاخوين داسلر» الالمانيين المؤسسين لشركتي اديداس وبوما للمنتجات الرياضية اللذين تجاوزا في عدائهما لبعضهما  بعضا أبطال الرواية سالفة الذكر حتى انهما لُقبا فعليا بـ«الإخوة الاعداء»! بل إن أحدهما أوصى قبل وفاته بعدم دفنه في نفس مقبرة أخيه الذي توفي قبله بأربع سنوات!

ورغم أن هذه العلاقة الغريبة كانت مثار حديث وسائل الاعلام ولا تزال، حتى انها تحولت إلى فيلم سينمائي حاز الكثير من الجوائز، الا أن أحدا لا يستطيع أن يجزم بالسبب الحقيقي وراء ذلك العداء، ففي حين ترجح بعض المصادر الاعلامية أن بداية الخلافات بدأت بعد فترة من زاوجهما والغيرة التي نشبت بين الزوجتين خاصة  أن العائلتين كانتا تسكنان في نفس الفيلا، رجحت معلومات أخرى أن اختلاف شخصتي الأخوين كانت السبب وراء ذلك الشرخ الأزلي بينهما، بل إن البعض يؤكد أنهما كانا على علاقة سيئة فيما بينهما منذ طفولتهما.

ولكن في كل الأحوال كان ذلك العداء بين الشقيقين سببا كافيا لتنافسهما على مدار عقود طويلة وتقديم كل منهما  ما لديه من ابتكارات غيرت من شكل الأحذية الرياضية وجودتها ليقودا العالم في هذا المجال ويؤسسا أهم شركتين مصنعتين للمنتجات الرياضية منذ منتصف العشرينيات من القرن الماضي وحتى وقتنا هذا.

ولكي نتغرف عن قرب على حياة الأخوين العدوين فلنبدأ بسرد القصة من أولها حسب ما ورد في وسائل الاعلام المختلفة:

 

أزمة الحرب.. بداية جديدة

«أدولف» و«رودولف» داسلر هما ابنان لأب عمل بمصنع لصناعة الأحذية وأم لديها محل لغسيل الملابس، وكان الشقيقان يعشقان الرياضة ولكنهما كانا دائمي الشكوي من سوء تصنيع الأحذية التي لم تكن مريحة لهما أثناء اللعب.

في العام 1914 تم استدعاء الشقيق الأكبر رودولف «رودي» للالتحاق بالجيش الالماني، حيث كانت طبول الحرب العالمية الاولى قد دقت وأعلن بدء القتال، فيما بقي الاخ الاصغر أدولف «ايدي» مع العائلة لمدة ثلاثة أعوام، الا أنه شارك في السنة الرابعة والاخيرة بعد أن تم استدعاؤه لوصوله للسن القانونية للالتحاق بالمؤسسة العسكرية، ومع انتهاء الحرب عاد الأخوان داسلر إلى مدينتهما ليجدا أن الحرب قد ألقت بظلالها القاتمة على كل مناحي الحياة فالوالد فقد وظيفته، والأم اضطرت لإغلاق مصبغتها واصبحت العائلة بلا مورد لها.

فى تلك الاثناء قرر «ايدي» أن يبدأ العمل على مشروع جديد ومبتكر، حيث قام بتحويل مصبغة والدته إلى مصنع للأحذية الرياضية التي لطالما عانى منها وتعلم صنعتها من والده الذي كان يصطحبه معه ليعاونه ويدربه على صناعة الأحذية حيث كان يعمل، ولكن الحياة مع الشاب اليافع لم تكن بالسهولة التي كانت قبل الحرب فالمواد الخام الخاصة بصناعة بما يريد لم تكن متوافرة وهو ما كان يضطره إلى السفر في جولات طويلة في الغابات المحيطة بالمدينة بحثًا عن «خردوات» من مخلفات الجنود كالخُوَذ والبزات العسكرية.

 

فى العام 1924 أنشأ الأخوان «مصنع الاخوين داسلر المحدودة» لصناعة الأحذية الرياضية» ليكون الأول من نوعه في أوروبا

 

بعد أربع سنوات من العمل الشاق انضم رودولف «رودي» للعمل مع أخيه الاكبر وقد كان التباين في شخصيتهما واضحا ومفيدا للعمل، ففي حين كان الاول شخصية انطوائية منكبة على العمل ليل نهار كان الأخ الاصغر أكثر انفتاحا وقدرة على الترويج للأحذية التي اشتهرت ليس فقط في مدينتهما بل في كل المناطق المحيطة بها وهو ما دفعهما في العام 1924 إلى إنشاء مصنع الاخوين داسلر لصناعة الأحذية الرياضية، ليكون الاول من نوعه في أوروبا.

ذاع صيت أحذية الاخوين داسلر في ألمانيا وأوروبا خصوصا بعد عودة الحياة إلى طبيعتها بعد أعوام من انتهاء الحرب، حيث عادت الرياضة إلى ما كانت عليه لتكون محور الاهتمام فانتشرت الأندية الرياضية التي كانت تشتري مستلزماتها من المصنع الذي استمر في تطوير منتجاته بما يناسب المناسبات الرياضية المختلفة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحول الأخوان داسلر إلى أهم منتجي الأحذية الرياضية التي وضعتهما على قوائم العائلات الاكثر ثراء في مدينتهما وسارت الامور على خير ما يرام ولكن تأني الرياح دائما بما لا تشتهي السفن ففي ذلك الوقت كانت ألمانيا تقع تحت حكم الرئيس النازي أدولف هتلر وهو ما دفع بالشقيقين إلى الانضمام إلى حزبه النازي في العام 1933 وقد حظيا بدعم كبير من زعيمهم هتلر وهو ما زاد من مبيعات المصنع الذي اصبح اسمه كالنار على العلم.

 

بداية الصراع

فى تلك الأثناء تزوج رودولف من فتاة من مدينته تدعى فريدل، بينما تزوج شقيقه بعده بست سنوات من فتاة تدعى كيت من خارج المدينة، «كيت» كانت امرأة ذات شخصية قوية مستقلة ولديها أفكار جديدة وعصرية، بينما كانت «فريدل» امرأة ريفية محافظة إلى حد ما ولكن اختلاف خلفية الزوجتين لم تؤثر على علاقتهما في بادئ الامر بل انها كانت جيدة على حد وصف وسائل الاعلام لها ولكن يبدو أن إقامتهما مع زوجيهما في نفس القصر خلقت العديد من المشاكل، وبدأ الصراع يحتدم أكثر فأكثر مع الوقت.

فريدل كانت تعمل محاسبة في المصنع، لكنها فضلت البقاء بالمنزل بعد إنجابها لأطفالها، الأمر الذي أعطى مزيدا من الحرية لتدخل «كيت» بشكل كبير في إدارة المصنع لتبدأ الخلافات بين الشركاء.

ظلت هذه الخلافات حبيسة القصر الذي يسكنونه ولم يكن لها تأثير  كبير  على سير العمل، ولكن نشوب الحرب العالمية الثانية فجرتها بين الشقيقين إلى اقصى درجة حيث قيل إن السبب الحقيقى هو إقامة رودولف علاقة عاطفية مع زوجة أخيه كيت.

حتى ذلك الوقت لم تصل حدة الخلافات بين الاسرتين إلى حد الانقسام وفك الشراكة بينهما خصوصا مع دعم هتلر لهما وازدياد الطلب على منتجات المصنع وتركيز الشقيقان على اولمبيات 1936 التي كان مقررا لها ان تقام في مدينة برلين.

ولم يكن تزويد المنتخب الالماني بأخذيتهما هو وحده هدف الأخوين لتحقيق الشهرة العالمية التي كانا يطمحان لها بل كانت خطتهما هي استغلال فرصة الألعاب الأولمبية للترويج لمنتجات شركتهما خصوصا بعد ابتكار فكرة وضع مسامير اسفل نعل الأحذية مزودة بنوابض حتى تكون اعلانا في حد ذاتها عن انفرادها بتلك الميزة.

 

العداء الأميركي «جيسي أوينز» 4 ميداليات ذهبية بحذاء داسلر

فى تلك الأثناء ذهب أدولف إلى مركز تجمع المنتخبات وبيده حقيبة مليئة بالأحذية، حاول جاهدًا إقناع بعض المنتخبات ولاعبي الدول الأخرى بتجريب أحذيته، وكان له ما أراد عندما وافق العداء الأميركي «جيسي أوينز» بعد إقناع كبير على تجربة الحذاء ولحسن حظهمها انه حصد 4 ميداليات ذهبية في تلك الدورة ليتحول اسم داسلر للأحذية على كل لسان خلال البطولة.

بعد انتهاء البطولة ذاع صيت الأخوين داسلر في كل أنحاء العالم، حيث وصلت المبيعات إلى 300 ألف حذاء في نفس العام وهو رقم غير مسبوق، ولم يتوقف المصنع عن تلقي الطلبات من المنتخبات الدولية التي اعتبرت أن الأحذية مصممة بشكل مريح للغاية مما يساعد اللاعبين على الجري بشكل افضل واسرع مما كانوا عليه.

بعد ثلاث سنوات من انتهاء الاولمبياد بدأت الحرب العالمية الثانية وتم استدعاء رودولف للجيش بينما بقيت أسرته في عهدة شقيقه ادولف وفي إحدى ليالي الحرب زاد القصف بشكل كبير لتكون تلك الليلة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث قضت عائلة أدولف تلك الليلة في أحد الملاجئ العامة بينما بقيت عائلة رودولف في المنزل لبعض الوقت ولكن مع تزايد القصف حول المنزل اضطروا للذهاب إلى نفس الملجأ.

ولكن سوء النية بين العائلتين وجدت مكانها في تلك اللحظة الفاصلة، فبعد دخول زوجة رودولف وأطفالها بقليل عادت الطائرات للقصف مرة أخرى، الأمر الذي أغضب أدولف وقال بصوت مرتفع تبا لقد عاد الأوغاد الحقراء مرة أخرى.. قاصدا الطائرات لكن فريدل اعتقدت أنه يقصدها وأولادها وهو ما زاد الطين بلة وأشعل الخلافات بين العائلتين.

 

اعتقال الأخوين داسلر

بعد انتهاء الحرب قامت القوات الأميركية باعتقال الأخوين داسلر لانضمامهما للحزب النازي، ولكن بسبب اختلاف دور الشقيقين في الحزب فقد تباينت فترة اعتقال كل منهما حيث قضى ادولف فترة قصيرة في السجن بسبب انتسابه للحزب فقط دون العمل بشكل فاعل فيه وأيضا بسبب تساهل المحققين معه أثناء التحقيقات بسبب إقناعه للعداء الأميركي بارتداء حذاء داسلر وفوزه بالميداليات الذهبية الاربع. ولكن ذلك لم يشفع لشقيقه رودولف الذي تم حبسه لمدة عام كامل بسبب دوره التنفيذي الفاعل داخل الحزب والذي ترجح بعض المصادر انه كان يعمل لحساب الشرطة النازية السرية.

ولم يمر اعتقال رودولف لفترة أطول من شقيقه مرور الكرام، حيث أفشى له بعض المقربين منه بأن شخصا قريبا منه هو من ابلغ الأميركيين عن دوره السري داخل الحزب في تلميح واضح لقيام شقيقه لخيانته والوشاية به، وهو ما لم تؤكده أي مصادر اميركية حتى وقتنا هذا.

ظل رودولف طوال فترة اعتقاله في حالة من الغضب الشديد من شقيقه حتى انه بدأ الحرب الفعلية على شقيقه وزوجته بمجرد خروجه من السجن خصوصًا بعد أن وجدهما قد انفردا بإدارة المصنع وانتاج خط جديد من الأحذية مخصص للعبتي كرة السلة والبيسبول بطلب من الأميركيين وهو ما عمق شكوكه في وشاية اخيه ضده ولكن دون دليل قاطع يمكن ان يوجهه له.

1948 السنة الأخيرة للشراكة وبداية العداء الحقيقي

لم يجد رودولف حلا للابتعاد عن شقيقه إلا بفض الشراكة بينهما وهو ما حدث بالفعل، فقد كانت 1948 هي السنة الاخيرة لشراكتهما وبداية العداء الحقيقي ليس فقط بين الاسرتين، بل أيضا بين أهالي المدينة الذين انقسموا إلى قسمين أيضا، الاول انحاز  إلى رودولف والثاني وقف مع ادولف وقد بلغ حد الخلاف بين الفريقين إلى أن كلا منهما ناصب العداء للآخر.

ومن المضحك أن حتى أطفال المدينة انقسموا على أنفسهم أيضا فكان المؤيدون لاديداس يذهبون إلى المدارس في حافلات مكتوب عليها اسم الماركة بينما تنقل القسم الآخر في حافلات مكتوب عليها بوما، أما السكان فقد لقبوا مع الوقت «بالذين ينظرون إلى الأسفل» في إشارة إلى أنهم دائما ينظرون إلى الأسفل كي يعرفوا أي نوع حذاء يلبس الشخص المقابل.

 

افتتح رودولف مصنعًا وسماه (Ruda) ولكنه سرعان ما غيره إلى (Puma)

 

افتتاح (Puma) و(Adidas)

وبدأ الانفصال فعليا عندما ذهب رودي إلى المصنع وفاجأ العمال بكلمته التي ذاع صيتها لاحقا في كل أرجاء المدينة، حيث قال لهم «من يرد العمل معي فليأت.. ومن يرد الاستمرار مع أدولف فليبق»، وبالفعل انتقل قسم كبير من العاملين بالتسويق مع مديرهم فيما قرر بقية العمال الاستمرار مع أدولف. ولم يضيع رودولف وقتا حيث افتتح مصنعًا آخر في الجهة المقابلة لمصنع أخيه وسماه (Ruda).

ولكنه سرعان ما غيره إلى (Puma) أي «القط القافز» وهو ما يدل على السرعة والمتانة والذكاء، أما ادولف أو ايدي فقد اختار أول ثلاثة أحرف من اسمه ادي وأول ثلاثة أحرف من كنيته «داس» ليصبح اسم علامته التجارية (Adidas) واتخذت الشركتان من المدينة الصغيرة مقرين لشركتيهما حتى الآن وتبعد كل منهما عن الاخرى مسافة 2 كم، وقد لجأ الشقيقان إلى المحاكم بعد أن ادعى كل منهما أنه صاحب براءة اختراع حذاء الركض ذي النوابض.

وفي عام 1954 وقع رودي في خطأ كبير، حيث اختلف مع مدرب المنتخب الألماني حول كلفة تزويد لاعبي المنتخب بحذاء بوما ما دفع الاخير إلى اللجوء لايدي الذي صنع لهم أحذية خاصة تعينهم في اللعب على أرض عشبية ندية وذلك في نهائي كأس العالم لكرة القدم لنفس العام والتى فازت فيها ألمانيا لأول مرة في مدينة «بيرن» السويسرية على المجر بفضل أحذية أديداس التي ساعدت الفريق على الركض بسهولة على ارض الملعب المبلل بسبب تساقط الامطار لتقفز الماركة إلى الصدارة ويرتبط اسمها بمعجزة «بيرن الكروية».

ومع الوقت توسعت الشركتان وزادتا من خطوط إنتاجهما لتشمل الملابس والتجهيزات الرياضية التي لا تزال تتصدر المبيعات كونهما من أهم الماركات لعالمية وانجحها في هذا المجال.

 

جميع المحاولات للإصلاح  بين الشقيقين فشلت

ورغم جميع المحاولات للاصلاح بين الشقيقين، الا أنها فشلت جميعا واستمر العداء الدامي بينهما حتى وفاة رودي في 27-10-1974 حيث دفن في مقبرة المدينة فيما توفي شقيقه ايدي في 6-9-1978 موصيا قبل وفاته بدفنه أبعد ما يكون عن قبر أخيه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق